ترجمة ساعي عايدة
من دواعي سرورنا أننلبي دعوتكم لتقديم وجهة نظر حزب التجديد الجزائري حول الوضع الاقتصادي لبلدنا وهو يقترب من خوض المغامرة الكبرى لاقتصاد السوق.
فضلنا أيضا بدلاً من إرغامكم على الاستماع إلينا نتلو برنامجًا اقتصاديًا لا علاقة له بانشغالاتكم العاجلة، وحتى نحقق مستوى من الانسجام، خضنا بشكل مباشر في الإشكالية، موضوع هذه الندوة.
أردنا باختيار مثل هذا العنوان لمداخلتنا، أن نتجاوز تأثير الأسلوب أو اللعب بالكلمات، إلى محاولة لفت انتباهكم مباشرة لجانب طالما تم حجبه في المناقشات العميقة حول شروط إنعاش اقتصادنا.
أولا وقبل كلّ شيء، أنتم تدركون أن المهمة التي كرس المتعاملون الاقتصاديون جهدهم لها، ليست إصلاح ما لا يكاد يستحق أن يصنف “اقتصادا”، بقدر ما هو خلق ظروف شبه معدومة لإنتاج الفعال، طلب قابل للوفاء، خلق فرص عمل في السوق، استقرار الأسعار والقوة الشرائية، التطهير المالي، المبادلات الخارجية المتوازنة وخصائص أخرى للاقتصاد الحقيقي.
ولكن بماذا نبدأ، وعلى ما يجب أن نعتمد، وما الذي يجب علاجه في بلد، على مدار ثلاثين عامًا، مارس مسيروه سياسة سيئة، معتقدين أنهم أسسوا اقتصادا جيدا؟
على أية بيانات موضوعية، ومزايا مقارنة، وخصائص نفسية سنرسي آليات اقتصاد السوق في نظام العلاقات حيث يُنظر إلى الدولة على أنها المكان السحري لتكوين الثروة والشعب هو المستفيد الطبيعي منها؟
حيث طور منطق مناهض للاقتصاد آثاره الضارة وبسط سيطرته، وتمكنت السلطة من إخفائه تحت المظاهر الوهمية للازدهار المُكتسب من خلال التبذير والاستدانة غير المعترف بها؟
إنكم مطالبون اليوم بخلق اقتصاد في حالة من العجز العام، بإجراء التعديلات الهيكلية التي قاطعتها بلادنا منذ نهاية الستينيات، وبمواجهة منافسة غير متكافئة.
إنكم مطالبون بالعودة بطريقة ما إلى مسار التاريخ، بإعادة مستوى الطلب إلى مستوى العرض المتوفر، بتقليل الاستهلاك من خلال التضخم، بتقليص القروض، تقليص عدد العمال، تخفيض قيمة العملة وغير ذلك من الإجراءات الصارمة والتدابير غير الشعبوية.
كيف سيقبل إخواننا المواطنون، الذين نشؤا ببراءة في عقيدة الاستهلاك كأنه رزق رباني واقتنعوا بسذاجة أنه من حقهم أن يستفيدوا في الماء والكهرباء والأجور والإسكان وغيرها من مرافق الحياة اليومية، الامتثالَ لقواعد اللعبة والحساب الاقتصادي الدقيق؟
في الجو الذي جاوز الواقع الذي ترعرعوا فيه، كان الاقتصاد مجرد خرافة ووهم والسياسة حقيقة واقعة. لم تحمل شعارات هذه الأخيرة، سوى عبارات الفخر والمستقبل المشرق وغير ذلك من الهراء. لقد جعلتهم يفقدون حتى الحس الطبيعي السليم الذي يريد في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن أن تكون الحياة حلقة نشطة، فالنشاط ينتج مردودا والمردود دخلا و الدخل يفرز الاستهلاك و الادخار، و الادخار استثمارات و الاستثمار يخلق مناصب شغل و مناصب الشغل نموا و هكذا دواليك في حركية مستمرة ومتجددة.
طُلب منكم القيام بثورة من أجل التقدم من خلال قانون حول استقلال المؤسسات الاقتصادية العمومية، وقانون حول الأسعار، وقانون حول المال والقروض، وقانون لعقار، وقانون خاص بأصحاب الامتياز(concessionnaires)، وبعض القوانين الاجتماعية، دون إعلامكم بأن المهمة الجبارة لتحويل المناخ الذهني الموصوف إلى سلوك الإنسان الاقتصادي الذي يعرض نفسه طواعية للمخاطر الاقتصادية، يقبل أي جزاء سوآءا كان نجاحًا اجتماعيًا أو فقرًا مأساويا، و ليس مجرد نصوص قانونية يمكن أن تحتويها حقيبة صغيرة.
أولئك الذين خلقوا مليوني منصب شغل فقط خارج الزراعة، خلال ثلاث وعشرين عامًا من التخطيط والاستثمارات الصناعية، بينما كان لديهم أكثر من 200 مليار دولار من العائدات، يحثونكم اليوم على مواجهة طلب مشابه لنفس الطلب في فرنسا، بوسائل أقل بعشر مرات.
ضف إلى ذلك عجز عشرين عامًا من الاستهلاك بالاستدانة وخدمة الدين الهائلة المرتبطة به، الدين الذي تشرحه مصطلحات بسيطة بعيدا عن اللغة المعقدة، وهو الاعتراف بعدم القدرة على تغطية الاحتياجات بالإمكانيات الخاصة.
تهدف مساهمة حزب التجديد الجزائري في هذا الاجتماع الأول بين الأحزاب السياسية والمتعاملين الاقتصاديين، بما يتجاوز الحكم القاسي على الوضع الاقتصادي لبلدنا وهو يخوض تجربة اقتصاد السوق، إلى تحسيسكم بأهمية عدم السماح أبدًا للسياسة بالاستيلاء مرة أخرى على مجالكم أو إخضاع مؤهلاتكم لأغراض لا تتوافق مع الفعالية والمردودية يجب أن تبدأ السياسة من حيث ينتهي الاقتصاد، أي مع النتائج خارج الضرائب، وعلى توقعات أو خيارات الأولى ألاّ تتعارض مع متطلبات وقواعد الثاني.
ولكن على المتعامل أن يدمج بدوره العوامل النفسية والثقافية والحضارية في مفهومه التقني للاقتصاد، لأنه قبل أن يكون هذا الأخير أرقاما أو تنظيما أو إتقانًا تكنولوجيًا، هو عبارة عن وعي اجتماعي، وتمثيلات ذهنية جماعية للأشياء ونِسبها.
لقد كان حيثما تطور على أفضل وجه تاريخيًا، هو الحس السليم الذي أصبح ببساطة الفطرة السليمة، و لحمة لا شعورية تربط الجوانب الإنسانية والأخلاقية والمادية للمجتمع بجعله يؤدي حركيات الجماعية الجميلة التي تكمن في الإنتاج والدقة والتكامل، التبادلات والمنافسة …
على هذا النحو، هو يعتمد على مضمون العقليات، على التكوينات النفسية، على التحولات العقلية للناس، على ثقافتهم الاجتماعية، على الأفكار والشعارات التي يتبناها النظام السياسي وينشرها في الجسد الاجتماعي عبر وسائل الإعلام.
تدركون أفضل من أي شخص وأنتم في الميدان، أنّ من بين جميع عوامل الإنتاج، الإنسان هو من يسبب أكبر قدر من المتاعب والصعوبات لأنه على عكس رأس المال أو المعدات، يحمل الحالة المزاجية والأفكار السارية التي تجعله الأقل استقرارًا كمعطى في الحساب العام، والأكثر إشكالية عندما يتعلق الأمر بالتغييرات أو التكيف مع المعايير الجديدة أو الانقطاعات المفاجئة.
في البلدان المتقدمة، سبق وضعُ الأسس الذهنية وضعَ الهياكل الاقتصادية. تشكل الاقتصاد السياسي الكلاسيكي تدريجياً على الأسس الفكرية للنهضة، للإنسانية، لفلسفة التنوير، للنفعية، للفلسفة الوضعية …إلخ. وهكذا على سبيل المثال نشأت الانطلاقة اليابانية الخارقة من إصلاح عقلي واجتماعي وفكري (عصر ميجي).
تأسست في بلدان منطقة المحيط الهادي، وهي الدول الوحيدة التي أخذت حصة الأسد في عالم فريسة لأزمة الصدمتين النفطيتين، عقيدة كاملة من الانضباط والتنظيم والأداء والتي نقلتها لنا بعض الأفلام الوثائقية التلفزيونية مؤخرًا.
أمّا عندنا للأسف تم وضع أساس سلبي للغاية بمداهنة ديماغوجية وشعبوية وجاهلة، من طرف سلطة غير مسؤولة لا تهتم إلا بمصالحها كنقابة للجرائم الاقتصادية والسياسية. وهو يورِّث لكم اليوم ردود أفعال تستحضر حقبة العصر الحجري الحديث أكثر من العصر التكنولوجي.
لا يمكن لأيّ ديناميكية اجتماعية، ولا سياسة تنموية، ولا اشتراكية، ولا ليبرالية، ولا اقتصاد إسلامي ، أن تنشأ أو تنجح إذا لم تكن قائمة على الأسس النفسية والعقلية التي تقبل العقلانية وتدمجها وتستوعبها، والصرامة والتوازنات الضرورية التي يحتاجها أي اقتصاد بشكل أساسي. مهما كان اسم البناء الذي يُرفع على الرمال، فهو محكوم عليه بالفشل حتما، حتى لو سمي بالتسيير، أو اقتصاد السوق، أو “الفقه الاقتصادي”.
إن تنفيذ السياسة الاقتصادية لا يعني الخوض داخل البلد نفسه في حرب خنادق أيديولوجية يتعارض فيها القطاعين العام والخاص بشدة، ولكن ضمان أن كلاهما يتنافسان بحرية.. لتوفير كل الاحتياجات. هذا لا يهدف إلى التملق والتضخيم الطائش لطلب عسير، ولكن لمواجهته بعرض حقيقي، يتم إنتاجه محليًا وليس مستوردًا بالصفقات المشبوهة أو الفواتير المضخمة.
يجب أن ينتهي عصر الاختبارات التجريبية والنماذج النظرية والمحاولات البيروقراطية الفاشلة بشكل حتمي ونهائي على التراب الجزائري. لا يجب أن يفوتنا القارب مرة ثانية، كما حدث مع كل ما يسمى بالدول النامية التي أوكلت مصيرها إلى أساطير أكاديمية رائجة، بدلاً من التمسك بمدرسة الفطرة السليمة الوحيدة المعمول بها بين البشر، والتي تلخصها جيدًا هذه الحكمة الصينية القديمة التي يزيد عمرها عن اثني عشر قرنًا:” كان الأولون يؤمنون بقاعدة أنه لو وُجد رجل لا يزرع وامرأة لا تغزل فحتما هناك شخص ما يعاني من الجوع أو البرد في الإمبراطورية “.
يعتز حزب التجديد الجزائري بالحفاظ على رؤية للأشياء بدلاً من مزيج من الإجراءات والوصفات، مع العلم أن دور الحزب السياسي الحقيقي هو أن يكون قادرًا على استيعاب المشكلات المختلفة التي تنشأ بشكل كامل، لحلها أكيد بطريقة ملموسة. هذه هي الرؤية التي يبدو لنا أنها مفقودة في سياسة الحكومة الحالية، و التي نلومها على امتلاكها لتصور تقني وميكانيكي فقط للأشياء.
فيما يتعلق بنا، ثقتنا كاملة في كفاءتكم وفي تصميمكم على إخراج الجزائر من الوضع السيئ الذي وضعها فيه النظام. نحن نؤمن بكم وبقدرتكم العملية، ونعرف قيمتكم عندما تستفيد منها الدول الأجنبية، ونريد أن يستفيد منها شعبنا، ولهذا يجب ألا تتدخل السياسة بعد الآن بين مهاراتكم الإدارية وأدوات عملكم.
“Horizons” 10 مارس 1991
