Home مقالاتإشكالية الإسلام1989-1980الاسلام والمسلمون

الاسلام والمسلمون

by admin

ترجمة فرحات بوزيان

شيء ما في طريقه إل تغيير جذري في العالم الإسلامي في هذا النصف الثاني من القرن العشرين‎.‎‏ ‏

مند سنة 1857 الى نهاية الحرب العالمية الثانية، شغلت فكرة ” النهضة” الضمير الإسلامي إلى درجة ‏الهوس، حركة عظيمة وجارفة لاستعادة الهوية الإسلامية والتي همشها الاستعمار بأدواته الاجتماعية ‏والثقافية والسياسية. وإن كانت هذه الكلمة (النهضة) قد اختفت في أيامنا، فلأن تلك الحركة العابرة لم ‏تكن في مجملها سوى ردة فعل، انتفاضة للكرامة التاريخية تلاشت بمجرد اختفاء السبب الذي أدى إلى ‏اندلاعها وهو السيطرة الغربية.‏

هذه المرحلة مرت وانتهت، والمطلب الإسلامي تغير حتى من حيث المحتوى، مرورا من الاعتراف بالهوية ‏والحضارة إلى مطلب أن يكون الإسلام ” منهاج حياة‎‎‏”‏‎‎‏(‏way of life ‎‏)‏‎‎حيث يطرح ضمنيا إشكالية النظام ‏الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يستمد مبادئه من الإسلام، هذا التحول جاء نتيجة ملازمة ‏لضعف وعدم تأثير الايديولوجيات اللائكية ( الرأسمالية، الشيوعية، القومية… ) التي كانت تعتبر كفرا، ‏وجاء أيضا لرد الاعتبار للمكانة الخاصة والدور الفعلي للإسلام في العالم بفضل تنامي الوعي بالطاقات ‏البشرية، الطبيعية والروحية التي يزخر بها العالم الإسلامي‎ .‎

من المؤكد أن الحلم بتأسيس مجتمع إسلامي قريب من النموذج النبوي لم يغادر يوما وجدان المسلمين ‏حيثما كانت أوطانهم ومهما كانت تقلبات التاريخ.

لكن هذا الانجذاب كان دوما مصحوبا بالشعور بالضعف أمام تعقد وتشابك المشاكل. شعرت الجماهير ‏الإسلامية على تنوعها أن إعادة بناء الدولة الإسلامية كما كانت في عهد الرسول والتي استمرت لثلاثين سنة ‏خلال حكم الخلفاء الأربع ما هي إلا ضرب من الخيال، ولقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك في ‏الحديث المشهور ” ستكون الخلافة بعدي ثلاثين سنة ثم سيكون ملكا عضوضا “، و بالفعل، ففي سنة ‏‏661 م خرج بعثي اسمه معاوية بن أبي سفيان، كان قد دخل في الإسلام خمسة أشهر فقط قبل وفاة النبي ‏صلى الله عليه وسلم ( 632 م ) وقام بانقلاب أدخل به الحكم الملكي في التاريخ الإسلامي، وتوالى من بعده ‏الأمراء فحرفوا كلية مسيرة الحضارة الإسلامية التي أصبحت موسومة مذ ذاك بجراح معركة صفين. اليوم ‏ترى هذه الجماهير أيضا أن توحيد أو إدماج العالم الإسلامي في الإطار الفلسفي والسياسي العالمي صار ‏مجرد وهم‎. ‎

لكن هل لنا أن نتساءل ولنا الحق في ذلك، إن كان ينبغي علينا من أجل تأسيس نظام سياسي واجتماعي ‏مشروع أن ننتج نفس النمط الذي كان في المدينة المشرفة؟ بالتأكيد لا! والقرآن نفسه يؤكد هذا المعنى في ‏قوله تعالى: “وأمرهم شورى بينهم..”، مما يعني أن الإسلام لا يفرض أية صيغة حصرية لنظام سياسي ‏واجتماعي، المهم هو أن المؤسسات التي يضعها المسلمون تكون في خدمتهم، وأن تركز على “الأمر ‏بالمعروف”، هذا الواجب الذي ذكر به القرآن الكريم ثماني مرات، وأن تولية الحكم تتم حسب قواعد ‏الديمقراطية المؤسسة على الاقتراع العام ومبدأ الكفاءة‎…‎‏ إلخ‎.‎

إذا كان ينبغي علينا أن نلخص حدود التحكيم السياسي الحر في عبارة واحدة، فلن نجد أفضل مما وصّى به ‏عمر بن الخطاب قاضي الكوفة: “والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا “. مبدأ ‏أن يتحمل الإنسان كامل المسؤولية موجود في القرآن الكريم وعلى أساسه ينبغي أن يكون المسلمون، ‏سياسيا، أحرارا في اختيار الحكم الذي يناسبهم أو تغييره، لكن هذا الأمر على مر التاريخ قُدر وطُبق بشكل ‏متباين، خاصة في الاتجاه السيء، وهذا ما جعل أحد الملهمين يقول في اشمئزاز:” عدل بلا دين أفضل ‏للكون من طغيان أمير كاهن”، وهذا ما يشرح لنا أن الأنظمة الديكتاتورية في العالم الإسلامي تتعايش مع ‏أنظمة عادلة إلى حد ما، لا يشغلها الإسلام كثيرا، وأسوأ هذه الأنظمة يستدل بالآية الكريمة ” والفتنة أكبر ‏من القتل.. ” ليُشرعن وجوده.‏

منذ عقد من الزمن، طور الحقد الغربي ضد الإسلام خطابا عبر وسائل الإعلام يحذر فيه السلطات من ‏ظاهرة ” الأصولية “.بالرغم من أننا لا نعرف بالضبط تاريخ هذا المصطلح، لكن فيما يخص تطبيقه ‏بالنسبة للإسلام نعتقد أن لويس ماسينيون كان من الأوائل الذين استعملوا هذا المصطلح سنة 1929 في ‏الجزء الأول من كتابه‎‎‏”‏‎” opéra minora ‎عندما يشير إلى ” أعضاء الثيوقراطية المطلقة العتيقة ” ‏‏.ماسينيون هذه الشخصية المشهورة الذي يُعرف بـ” المسيحي ذي التفكير العربي والمتنكر في الزي ‏العربي” تلميذ وصديق الأب دو فوكولت ‏de Foucault‏ والذي لا يقل شهرة عنه، مستشرق معروف، يتقن ‏العربية ومولع بالحلاج، عضو مجمع اللغة العربية بمصر…‏

المهم أن ماسينيون كان أيضا مداح الاستعمار الفرنسي في الجزائر، كتب في نفس الكتاب : ” يجب علينا أن ‏نفهم كل العالم الإسلامي حتى تحيا فرنسا… بالنسبة لفرنسا، هذا مشكل اجتماعي داخلي في النسيج ‏الوطني، كيف ندمج حقيقة المسلمين الوطنين الجزائريين في المحفل الوطني ( يقصد بالوطن فرنسا )، و ‏علاوة على ذلك، هذا وحده ما سيضمن مستقبل المستعمرين من العرق الفرنسي الذي لا يمثل في الجزائر ‏سوى 18٪ من مجموع السكان…”

لا ندري إذا غير ماسينيون رأيه فيما بعد حول” فائدة ” الاستشراق، ‏لكن على كل حال، هذا المثال يوضح لنا الدوافع الحقيقية للمستشارين الغربيين في ميدان الإسلام ‏السياسي‎.‎

الغرب يريد بكل الوسائل مكانا يأخذ فيه قراراته التي تُهندس العالم، مكانا حيث يعقد ويحل كل القضايا ‏الاقتصادية وكذا الروحية. لقد استثمر كل شيء في اللائكية والإلحاد ولم يتصور الأنظمة السياسية للآخرين ‏إلا كنسخة مما اقترحه وشكله مفكروه وعلماء ساسته من توماس هوبز إلى لينين، بمعنى الأنظمة التي ‏تكون مقبولة لديهم. تمر البلدان الإسلامية كلها بأزمة هوية برزت من رغبتها في فهم تجربتها المعاشة، ‏طموحاتها السياسية وكينونتها التاريخية كتأكيد وليس كنفي لهذه القوة أو تلك الثقافة، تُلاحظ تجاوزات ‏ومبالغات هنا وهناك، وتُرتجل تحليلات سواء كردة فعل ضد مفاسد حقيقية أو تناقضات غير مقبولة، أو ‏أحيانا لاقتراح رؤية إسلامية مقتضبة بلا نتائج من خلال وقائع وأفعال في عهد رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم‎.‎‏ ويصل الأمر أحيانا إلى الخلط بين العنف غير المشروع والمعنى المقدس للجهاد في تعصب وغلو ‏مبالغ فيه لا ينسجم أبدا مع روح الإسلام.‏

ذهبنا للقاء فانسان مونتاي‎ Vincent Monteil ‎مستشرق سابق اعتنق الإسلام، بمناسبة إنهائه لكتاب مهم ‏‏” الملف السري حول إسرائيل‏‎ Dossier secret sur Israël ‎‏” فأطلعنا على رسالة بعثها إليه الجنرال ديغول ‏منذ خمسة عشر سنة يقول فيها:” كل شيء يعتمد على العالم الإسلامي، ومشكلة المشاكل هي مصير ‏الإسلام…” 

فكرة ديغول هذه تعكس القلق الغربي المهووس بفكرة أن الإسلام يحمل فكرا قاتلا بينما ‏الحقيقة أنه أخلاق تجسدت في شعب كريم متسامح، أخوي ومضياف، متفتح على جميع الثقافات ‏والحقائق، شعب أهانه الغرب واحتقره باسم الحضارة الديكارتية القوية‎‎‏(‏civilisation cartésienne‏)‏‎.‎

لا تُطرح “الأصولية” ‏‎«intégrisme» ‎اليوم في العالم الإسلامي كبديل، لكنها تُترجم خللا ما نتج عن فشل ‏الأنظمة السياسية المستمدة من الغرب، إنها تنقل الكثير من الجهل، وتركز فقط على خصومات حول ‏مسائل جزئية شكلية، وتأخذ بعين الاعتبار تناقصات تمسكت بها سياسات مرفوضة بالإجماع من طرف ‏الإسلام، بدل التفكير في مشاكل حيث الحل يكمن في وجود فكر تتصالح فيه الفعالية مع الاصالة،لا يزال ‏غائب تماما عن العالم الإسلامي .

الجزائر بانتسابها للإسلام ليست بحاجة البتة أن تبرهن، باستمرار، ‏وتساهم بعبقريتها الخاصة في ولادة فكر ينتج لنا ” المسلم الممارس لواجباته الدينية (‏pratiquant‏)” و ” ‏المسلم العملي (‏pratique‏)” ويجعل من الإسلام ” حقيقة فاعلة” بعيدا عن كل مزايدات عبثية وكل تفاهة‎‎التبشيرprosélytisme‏ التي تخفي وراءها أغراضا خسيسة‎.‎

(“‏Algérie-actualité‏ “12 ديسمبر 1985)‏

نشر في جريدة الحوار الجزائرية بتاريخ:04/12/2016‏

موقع الجزائر اليوم 05 ماي 2020

You may also like

Leave a Comment