بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
يقول الرسول صلى الله عليه وسلّم: “إذا حكمَ الحاكم فاجتهدَ ثم أصاب فله أجران وإذا حكمَ فاجتهدَ ثم أخطأَ فله أجرٌ”.
إنَّ هذا الحديث الشريف ممّا يحدونا في هذا المقال ويُقَوّي عزمنا على المرافعة من أجل إصلاح الإسلام. بحسب اجتهادنا المتواضع، ونحن مُنشغلون بهذه المسألة منذ زمن بعيد، نرى أنه قد آن الأوان لطرح إشكالية إصلاح الإسلام في هذه المرحلة الحاسمة والمصيرية. إنّه أضحى من الضروري الأكيد أن نُصلح الإسلام من الداخل، ذلك أنَّ ديننا رغم كونه منظومة من القيم وكونه دينا رئيسيا لدى البشرية، إلاّ أنّه يجب الانتباه إلى كونه مُهدّد بأن يُنْسف داخليا بسبب جهل عدد كبير من علمائه ووحشية طائفة من أشباه البشر بدأت تبرز إلى الوجود بأعداد قليلة لكنها موجودة في كل مكان.
فَمَنْ مِنَّا يتذكر في حالنا هذه أنَّ الإسلام كان من وراء حضارة عظيمة، بأخلاقها السامية وبنماذج روحها الإنسانية الساطعة، وبأدبها المزدهر وفنونها التي لا تزال آثارها تشهد عليها في مختلف الأصقاع، وموسيقاها التي كانت تُدْرس كعلم، وعلمائها وفلاسفتها الرّواد ومخترعيها في المجال التقني… مَنْ مِنَّا يتذكر كلَّ ذلك؟
أول سؤال قد يتبادر للذهن مع هذا الطرح هو لماذا يجب السعي إلى إصلاح الإسلام بدلا من السعي إلى إقامة تشريع يهدف إلى حصر الإسلام في مجال الشؤون الشخصية؟ لأنّه مهما بدتْ فكرة الإصلاح صعبة ومهما احتملته من خروق للعُرف، فهي معقولة وأقرب إلى القبول من الاعتقاد بإمكانية اكتساح الإسلام ثُمَّ طمسه مثل الغبار تحت البساط.
إنّ بلدان مثل تركيا، إيران وتونس كانت تعتقد منذ مدّة (منذ 1930 بالنسبة لتركيا وإيران، ومند 1958بالنسبة لتونس)، أنّ اللاّئكية قد رسخت في مجتمعاتهم، وراحت تهتف مُعتقدة أنّ الهدوء قد استتبَّ.
وجاء يومٌ اندلعت فيه اضطرابات شعبية، وكان اللجوء إلى استفتاء الشعب، وهناك خرج من “مصباح علاء الدين” عفريت ليكتسح أصوات الناخبين. كما نجد أمثلة عن رجال حظي البعض منهم بتكوين عالي المستوى في أحسن جامعات العالم، لكننا نجدهم في النهاية منضوين تحت راية شيخ من الشيوخ أو متورطين في أعمال لها صلة بالإرهاب.
سواء علينا أقررنا أم كنّا من المنكرين، فكياننا مرتبط بالإسلام، وديننا ملتصق بلاوعينا الجماعي وبمخيلتنا، وهو الذي طبع تاريخنا وميَّز هويتنا. إنه يسيطر على ثقافتنا الاجتماعية وعقلياتنا وعاداتنا وملبسنا ولغتنا ومحيطنا العمومي. إنه في لبّ دستورنا وتشريعنا وقانون أسرتنا ونظامنا التربويّ ومشهدنا السياسي وبرامجنا التلفزيونية. إنه في صدارة مناقشاتنا وخلافاتنا السياسية، فمئات الآلاف من الجزائريين قُتِلوا وسيُقتلون بسبب الخلاف حول الإسلام الذي يحدد نظرتنا إلى غيرنا: فنحن نتأثر بكل ما يصيب المسلم في أي مكان من العالم، مظلوما كان أم ظالما.
إنَّ إصلاح رؤية المسلمين للعالم أمر ضروري يتماشى مع مصلحة الإسلام والمسلمين، ويخدم العلاقات بين الشعوب والأديان، كما يخدم السلم في العالم ولدى البشرية كافة.
إنّ هذا الإصلاح ليس مسألة فلسفية، بل إستراتيجية. فهي مسألة لا تتعلق فقط بالعلاقة بالإله، لكنها تخصّ مستقبل كوكب الأرض الذي بدأت مساحته تضيق بالناس وبدأت أجزاؤه تتداخل. فإذا أصيب عضو بعلّة تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى.
وأولى الأولويات اليوم أن يحمي المسلم وطنه من التدمير الذاتي الذي يمكن أن يستهدفه يوماً ما، وأن تُحْقَنَ الدماء المسفوكة باسم الإسلام أو بما له علاقة به، ثُمَّ أنْ يتصالح المسلمون بينهم، ومع العالم، ومع الحداثة، ومع التسيير الديمقراطي لشؤونهم، وأن يعيشوا في سلام مع غير المسلمين من أجل المساهمة في تطور البشرية.
إنّ إصلاح رؤية المسلمين للعالم مسألة حيوية لأنّ أفكارهم الحالية، والعقليات والسلوك الناتجة عن تلك الأفكار صارت سببا في انسداد أبواب التطور في وجوههم، كما صارت مصدرا لصراعات حوّلت دار الإسلام إلى دار حرب، وهذا كله تحت تأثير شيوخ وعلماء قطعوا كل صلة بينهم وبين مسيرة التاريخ الإنساني.
ففلسفة الإسلام بِرُمَّتِها، وفهمُنا للقرآن الكريم، وأفكارنا التي صارت من ثوابتنا، كلُّ ذلك بحاجة إلى مُراجعة من الأساس إلى القمّة، وهذا من أجل منح ديننا فرصة للانطلاق من جديد في ركب التاريخ على غرار الأمم التي تجاوزت مراحل انحطاطها ودشّنتْ حقبة حضارية جديدة، كما فعلت اليابان والهند والصين وكوريا الجنوبية.
إنَّ الإسلام لم يبق مختزلا أو محصورا في القرآن الكريم والنبيّ المرسل، هو يتكون أيضا من كلَّ ما ألحقه به أتباعُه منذ 15 قرناً في كل أصقاع المعمورة، وما أضافته إليه الأحقاد القَبَلِيّة التي لم تمُتْ بمجيئه، والصراعات المبكرة على السلطة، وتراخي العلماء وعدم أدائهم لواجبهم في ظروف الأزمة، بالإضافة إلى تأويلات المدارس الفقهية، وما كُتِب مِنْ غثٍّ ومن سمين، من قديم ومن حديث، وتقاليد الشعوب من كل الأجناس، وما مرّ به هذا الدين من مراحل الانحطاط عندما تحولت العقيدة إلى شعوذة، وما أصاب السياسات المستوحاة من الماركسية أو الليبرالية من فشل وخيبة خلال القرن العشرين، دون أن ننسى ذكر الإسلام السياسي.
إنّ الإسلام لو تابعناه تاريخيا هو من صنع الناس، وهم المسؤولون على إصلاحه. هذا الجانب هو الذي يجب أن يستهدفه الإصلاح، وهو مُبتغانا، لكننا لا نكتفي باتخاذه كمبتغى فالقول يزينه العمل، بل نحاول أن نساهم في هذا الإصلاح بأفكار قابلة للتفعيل والتطبيق.
وبالنظر إلى الوضع الراهن لا يمكن أن ندعي أن كل شيء على ما يرام، ونحن نرى الإسلام يتجه إلى الدمار جزءاً بعد جزءٍ، وبلداً بعد بلدٍ. فزيادة على التأخر في مختلف المجالات، وبالإضافة إلى احتلال البلدان الإسلامية مؤخرة ترتيب الأمم، خلف تلك البلدان التي ننظر إلى أديانها شزراً (مثل الديانة الهندوسية-الهند، واليهودية-إسرائيل، والبوذية-الصين، والمسيحية-الغرب، و الشنتوية-اليابان وغيرها). زيادة على هذا، فإنّ كثيرا من البلدان الإسلامية دخلت في حرب دينية غريبة عن زماننا أودت بحياة المئات من آلاف الضحايا ونجمت عنها معاناة لا مبرر لها، دفعت بما توفر من كفاءات نادرة إلى الهجرة، وأدّت إلى تفكيك دولٍ أُسِّسَتْ بعد جهد جهيد خلال القرن العشرين.
لقد وُظِّفتْ كلُّ دواعي الاقتتال وأسبابه دفعة واحدة خلال هذه الحرب العالمية بين المسلمين: ابتداءً بالأنظمة الطاغية التي لا تريد التغيير الديمقراطي، إضافة إلى المناورات التي تقوم بها القوى الأجنبية من أجل تامين الامتيازات المحصلة في مصادر الطاقة أو حماية حلفائها أو الدفاع عن مناطق النفوذ، ليظهر على الساحة صراع دامٍ وعنيد على الزعامة الجهوية بين بلدان محورية شيعية وسُنية بواسطة مجموعات مسلحة ودخيلة، وتبرز في الآونة الأخيرة طموحات انفصالية بحجَّة اختلاف الهوية.
ونادرا ما نجد بلدا إسلاميا لم تشمله هذه الحرب التي تُذكِّرنا بالحرب التي أودت بالحضارة اليونانية القديمة والمسماة “حرب البيلوبوناز”. فالشيعة في مواجهة السنة في العراق وسوريا واليمن وباكستان ولبنان والبحرين والعربية السعودية. والسّنّة في مواجهة السّنّة في أفغانستان والصومال وتركيا (الأكراد)، ومصر وليبيا ومالي والجزائر وتونس (“مشكلة الإرهاب”) والمغرب (“مشكلة الصحراء الغربية) واندونيسيا (منذ زمن قريب). جماعات سُنِّية (داعش) من جهة، وجماعات سنية شيعية مسيحية وزيدية من جهة أخرى، صراعات متقطعة أو دائمة بين المسلمين وغير المسلمين في نيجيريا والكامرون وكينيا والفيليبين وجمهورية إفريقيا الوسطى والهند (إقليم كاشمير)، و بيرمانيا والصين وروسيا و تايلاندا…
وخلاصةً القول، هناك أعمال إرهابية يومية ومنتظمة في كل بقاع الأرض، إنْ لم يقمْ بها مسلمون أصليون، قام بها مرضى نفسيون من أصول غربية دخلوا الإسلام حديثا، وذلك من أجل إشباع عطشهم إلى سفك الدماء.
وحتى أولئك المسلمون الذين وجدوا مكانا في المهجر لا يجدون لراحة البال طعماً لأنهم يعيشون بين الضغوط التي يمارسها عليهم التيار الإسلاموي المتنامي، وبين الإسلاموفوبيا التي جاءت كردّ فعل على ذلك التيار.
إنَّ العالم الإسلامي ككيان اجتماعي مؤسساتي وسياسي، وكأمّة، لمْ يَعُدْ له وجود منذ سقوط الخلافة العباسية. لكن هذا العالم الإسلامي لا يزال موجودا في صورة ركام ثقافي وعقلي، وفي نظرة إلى العالم تتحكم فيها معارف دينية أكل الدهر عليها وشرب، وخبرات نفسية تخضع للّامعقول.
فما هو البلد الإسلامي الذي سلم من كل المشاكل في هذه العشريات الأخيرة؟ أهو أندونيسيا التي لا تزال تضمّد جراحها إثر العمليات التي نُفِّذت في “بالي” والتي أودت بحياة المئات وخلفت مئات الجرحى؟ أم هي ماليزيا التي لا زالت لم تنجو من تهديد تيار رجعي جارف بفضل تشكيلتها الإثنية المتعددة (صينيين وهنديين وماليين).
ومثلما أنّه لا وجود لعالم إسلاميّ في الواقع، فإنه لم يعُدْ هناك إسلامٌ واحدٌ، إذ هناك تعددية ناتجة عن تفتيت الإسلام الأصيل وعن الانشقاقات التي رجّتْ أركانه وشوّهت مُثُلَه العليا ابتداءً من الانقلاب الذي قام به معاوية ضدّ الإمام عليَ كرَم الله وجهه، وما نتج عن ذلك من تأسيس للحكم الوراثيّ. فمذ ذاك صار عندنا إسلام شيعيّ، وإسلام سُنِّيٌّ، وإسلام صوفيّ، وإسلام إصلاحيّ، وإسلام حداثيّ، وإسلامٌ سَلَفِيٌّ، وإسلام آسيويّ، وإسلام أسود، وإسلام سياسيّ، وإسلام جهاديّ، وإسلام تكفيريّ…
إنَّ الذين يتعنّتون في التستّر لكيلا يروا المشكلة التي استفحلت في كل مكان وعكّرت صفوَ الحياة في كوكب الأرض بِرُمَّتِهِ، يُصِرُّون على الادعاء بأنّ الإرهاب لا دين له ولا حدود، وأنه غريب عن الإسلام، وأنه لا يمثّل شيئا قياسا بجمهور المسلمين الذين يعيشون في أمن وسلام.
هذا غير صحيح. إنّ التعصّب والإرهاب هما منتوج منطقيّ لنظرة إلى الإسلام ظهرت في القرن 12م، وهي النظرة التي أدت بالعالم الإسلاميّ إلى الانحطاط بسبب التخلّي عن الجهد الفكريّ الخلاّق، ومن هناك مباشرة إلى “القابلية للاستعمار”، وهو الوضع الذي استتبع الاستعمار كما يقول مالك بن نبيّ.
إنّ هذه النظرة التي هي نتيجة القراءة الظاهرية للقرآن، هذه النظرة سجلت دخولها في مجال السياسة خلال العشرينيات من القرن الماضي بظهور “الإخوان المسلمين” في مصر، و”جماعات التبليغ” في شبه الجزيرة الهندية، ومنهما تفرّعت كلّ التيارات الإسلاموية الحالية، سواء منها العنيفة أو غير العنيفة.حتى وان كان التيار الإسلامي و مستنسخه الإرهاب ظاهرتين طافيتين على هامش الحياة، إلا أن هذا لا يُغيِّر شيئا في واقع البلدان التي تعاني من ويلاتهما. فنحن نعرف أنّ مائةً من الإرهابيين ذوي القناعة الراسخة عدد كافٍ لتدمير بلد وجعله رأسا على عقب طيلة عقود من الزمن.
إنّ التيار الإسلاموي هو الابن الضال للإسلام، الـولد الشقي (bad boy )الذي أنجبه الإسلام السياسي في أعين مسانديه، أو “روبن هود” (Robin des bois) في أعين معارضيه. الوضع هنا متعلق بوجهة النظر التي نعتنقها، لكنه ـ أي التيار الإسلاموي ـ في النهاية هو ابن الإسلام، والآيات التي يحتجّ بها مقتبسة من القرآن الكريم… وهذا هو السبب في أنّ العلماء يلتزمون الصمت على مضض. إنّ تلك الآيات نتعلمها في المدرسة وفي المسجد وفي الكتب وفي التحقيقات والأفلام، في البيت وعلى شبكة الأنترنيت، في الشارع وفي كل مكان يعيش فيه المسلمون. إننا لا نتهامس بهذه الآيات، بل نتلوها جهراً في كلّ يوم وندرسها بنفس البراءة والسذاجة الطيبة التي ندرس بها باقي الآيات والمواد الدراسية.
والملفت للانتباه أنّ تلك الآيات يتم اقتباسها على أيدي الأئمة المتطرفين بمهارة لا تضاهيها إلاّ مهارة الطبيب الجرّاح، ثم يوظفونها في خطبهم التحريضية. ومن أمثلة تلك الآيات التي يحبون الاستشهاد بها قوله تعالى:
” وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ” (البقرة، الآية 193).
وكذلك قوله تعالى: ” إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ «(المائدة، الآية33).
وإذا أرادوا تبرير الأعمال الإرهابية استشهدوا بالآيات التي تتضمن بعض مشتقات الفعل (أرهب) أو مرادفه، مثل قوله تعالى:
” وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ…” (الأنفال، الآية60). أوْ قوله تعالى: ” سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ «(آل عمران، الآية151)
إنَّ هذه الكلمات وما أشبهها، إنْ لمْ يتمّ ربطها بسياق تاريخيّ مُحدّد، ولو بقيت تحمل دلالة خارج سياقها الزمني كما يدّعي المتعصبون، لو كان ذلك صحيحا لظهرت تلك الآيات بوجه مُخيفٍ فعلاً. يجب تفادي التظاهر بنسيان تلك الآيات، إذ ما ينبغي القيام به هو إخراجها إلى ضوء النهار لمناقشتها وتحليل المشاكل التي تطرحها على الساحة الدولية ثُمَّ الاتفاق على موقف واحد إزاءها. إنّ تلك الآيات ليست كثيرة، لكنها كافية لتشكيل ترسانة من التبريرات للأعمال الوحشية التي نشاهدها على مضض. فلا يكفي أنْ نكون على علم بوجود تلك الآيات، إذ ينبغي تفسير أسباب نزولها وبيان مكان وزمان ذلك النزول.
لو تصفّحنا القرآن الكريم في ترتيبه الكرونولوجي (الزمني) لَلَاحَظْنَا أنه لم تُنزل أّيَّةُ آية تدعو المسلم إلى القتل دفاعا عن دينه أو لأي سبب آخر، أو محاربة أيٍّ كان أو قطع العلاقات بالأديان والجماعات البشرية الأخرى، كما لم يأت فرض الصيام ومنع الخمر وفرض الحجاب على النساء وقطع يد السارق والرجم والحج وتحريم الربا، أحكام الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والمواريث، لم يُذكر أيُّ شيء من ذلك قبل نهاية المرحلة المكية من الدعوة (622 م) و التي استمرت13سنة.
فأول سورة تضمنت الدعوة إلى الجهاد والأوامر والنواهي التي تميّز الشريعة الإسلامية هي السورة التي رقم ترتيبها حسب النزول 87 مِنْ أصل 114 سورة، وهي سورة البقرة.
لقد كان عدد السور المنزلة في مكة هو 86 سورة تضمنت 4613 آية، أما عدد السور المنزَّلة في المدينة بعد أن هاجر النبيُّ (ص) من موطنه مكة لكي ينجو بحياته، فهو 28 سورة جاءت متضمِّنةً 1623 آية.
وما يُميِّز السُّوَرَ المكية أنها ذات بُعدٍ كونيّ وروحي وأخلاقي وفلسفي وجمالي، أمّا الخُمْسُ الأخير الذي أُنزِلَ في المدينة، فقد تضمن الجانب التشريعي الخاص بتنظيم المجتمع الجديد وما يضاف إلى ذلك من شعائر وحديث عن كيفية تسيير علاقة المسلمين باليهود والمسيحيين ومشركي مكة.
لكن تلك السور الـ 86 جاءت مبثوثة ومبعثرة في المصحف المُتلى حاليا بشكل أفقدها ترتيبها وانسجامها.
إنّ السورة التي تأتي بعد الفاتحة (التي تحمل الرقم 5 في الترتيب الزمني) مباشرة هي بالذات سورة البقرة التي هي أول سورة أُنزلت في المدينة المنورة، كما أنها أطول سور القرآن الكريم بـ 286 آية. لقد تغيّر الأسلوب وتغيّرت نبرة الخطاب في هذه السورة فجأةً، إذ يغلب الميل إلى الغلظة والشدة في بعض الأحيان. تلك الآيات ذات اللهجة الشديدة هي أول ما نصادفه عندما نفتح المصحف على السُّوَر9،8،5،4،3،2. هذه السور، في حقيقة نزولها، لا تأتي إلاّ في المراتب الآتية (من اليسار إلى اليمين):
113،88،112،92،89،87.
إنَّ الله تعالى في هذه السُّوَر يخاطب جماعة بشرية مُحدّدة أصبح لزاماً عليها أن تُميِّز نفسها بعبادات وقوانين وتنظيم خاص بها، وهي تدافع عن وجودها.
لقد عانى أتباع الدين الجديد من ألوان العذاب والقهر في مكة طيلة اثنتي عشرة سنة دون أن يصدر عنهم أي ردّ فعل لأنّ اللجوء إلى العنف ممنوع عليهم. أمّا الآن وقد اجتمعوا في مكان واحد، في مدينة لا يعرفونها، فقد أصبح لزاما عليهم أن يتنظموا ليدافعوا عن أنفسهم ضد أهل المدينة الذين لم يُسلموا، وضدّ المنافقين، وضد القبائل اليهودية القوية… كل هذا داخل المدينة، أمَّا خارجها فهناك الخطر الآتي من مشركي مكة.
ومع ذلك فالدعوة إلى الجهاد في هذه الآيات ذات النبرة الغليظة لم تأت في صيغة الدعوة إلى حرب عالمية شاملة، أو جهاد في كل الاتجاهات، بل دعت المسلمين إلى تطهير المدينة (وفي مرحلة قادمة تطهير شبه الجزيرة العربية) من العدوّ الداخليّ وتقوية قلعة الدفاع. وعند هذا الحد يتوقف منطقيا معنى تلك الآيات وحقل تطبيقها.
إنَّ الآيات التي تدعو لعكس هذه المعاني موجودة بعدد أكبر في القرآن الكريم، وهي التي صنعتْ مجدَ الإسلام وحضارته، وهي لا تزال قادرة على فعل ذلك مجدّداً. إنها الآيات التي تدعو إلى احترام الديانات والجماعات البشرية الأخرى، والتسامح ونبذ الأحقاد.
يقول تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ” (المائدة، الآية69).
”إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ” (المائدة، الآية 44
).
وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ” (المائدة، الآية46).
ويقول أيضا: “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ،وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ” ( المائدة، الآيتان47، 48).
ويقول في السورة نفسها: “ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ” (المائدة، الآية82).
ويقول تعالى في سورة العنكبوت: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ” (العنكبوت، الآية46).
وفي سورة الحج يقول تعالى: لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ” (الحج، الآية67).
ويقول في سورة المائدة: «…وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ” (المائدة، الآية2).
ويقول في سورة البقرة: ” الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ” (البقرة، الآية194).
ويقول في الأنفال: “وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ” (الأنفال، الآية61).
كلُّ هذه الآيات، باستثناء تلك المأخوذة من سورة العنكبوت، نزلت بعد السورة رقم87 حسب الترتيب الزمني (البقرة).
إصلاح الإسلام! هذا الموضوع أصبح أكثر تعقيدا نظرا لأنّ حرية الرّأْي لم تبق كما كانت في عهود الإسلام الأولى، عندما كان النقاش حول حقيقة الإلوهية مسموحا به في العلن، وحول مسألة خلق القرآن، وحول الأقدار، وحول العناية الإلهية وعلاقتها بأحوال الناس. عهود كانت روح النقد فيها والتسامح وحرية التعبير في زمن الأمويين والعباسيين أكثر إمكانية مما هي عليه في أيامنا التي يمكن أن يُقتل فيها المرء بسبب مسائل كانت تبدو بسيطة في زمن المعتزلة، ذلك الزمن الذي أعطى فيه المسلمون دفعا قويا لحركة العلم والتقنية. أما في أيامنا، فكل الاهتمام منصبّ حول احترام الشعائر، أما العلوم فقد أُهمِلتْ وتُرِكتْ للغير.
إذا استمر المسلمون على ما هم عليه، ولم يعقدوا العزم على إصلاح حالهم، ولم يُحْدِثوا التغييرات الضرورية للتعايش مع غيرهم، فلا يحق لهم أن يحلموا بغد جديد يسوده السلم بين الأمم. إنهم يقتربون من مستقبل متردّي كلما اقترب اليوم الذي يستنفدون فيه مخزونهم من المحروقات. آنذاك سيرجعون إلى الحالة التي وجدهم عليها الإسلام قديما والاستعمار حديثا. ستتفوق عليهم كل شعوب العالم مهما كانت دياناتها، بما في ذلك الشعوب الوثنية القديمة التي أصبحت اليوم متحررة من كل القيود العقلية والثقافية التي تعرقل مسيرتها نحو التقدم. و الله أعلم.
« Le soir d’Algérie » du 24 novembre 2014
جريدة الحوار 17 جويلية 2016
موقع الجزائر اليوم 16 نوفمبر 2016
