قَرَارُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ رَقْمُ 2797 الَّذِي كَرَّسَ ضَمَّ الصَّحْرَاءِ الغَرْبِيَّةِ مِنْ طَرَفِ المَغْرِبِ بِإِلْبَاسِهِ غِطَاءَ الشَّرْعِيَّةِ الدُّوَلِيَّةِ، أَدْخَلَ فِي نَصِّهِ مصطلح قَانُونِيَّ جَدِيدَ هِو «الاِسْتِقْلَالُ الذَّاتِيُّ الحَقِيقِيُّ»، وَهُوَ تَعْبِيرٌ اسْتُعْمِلَ مَرَّتَيْنِ، وَهَذَا كَافٍ فِي نَصٍّ قَصِيرٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ مَفْعُولٌ عَنْ قَصْدٍ لَا عَنْ صُدْفَةٍ. مَرَّةً فِي الأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ، وَمَرَّةً أُخْرَى فِي النُّقْطَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ القَرَارِ.
وَهَذَا يَحْمِلُنَا عَلَى التَّسَاؤُلِ عَنْ طَبِيعَةِ «الاِسْتِقْلَالِ الذَّاتِيِّ» الَّذِي يَقْصِدُهُ مَجْلِسُ الأَمْنِ، خُصُوصًا وَأَنَّ المَغْرِبَ كَانَ قَدْ قَدَّمَ تَصَوُّرَهُ قَبْلَ نَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً فِي «مُبَادَرَتِهِ» الَّتِي لَا تَتَجَاوَزُ ثَلَاثَ أَوْ أَرْبَعَ صَفَحَاتٍ حَسَبَ الصِّيغَةِ، وَهِيَ الآنَ فِي طَوْرِ التَّحَوُّلِ إِلَى «خُطَّةِ حُكْمٍ ذَاتِيٍّ مُوَسَّعَةٍ» تَبْلُغُ أَرْبَعِينَ صَفْحَةً، حَسَبَ مَا أُعْلِنَ.
وَعِنْدَ مُقَارَنَةِ النُّسْخَةِ الجَدِيدَةِ بِتَمَعُّنٍ مَعَ نُسْخَةِ 2007 وَمَعَ القَرَارِ 2797، يَتَبَيَّنُ أَنَّ هُنَاكَ تَضْلِيلًا وَتَلْبِيسًا، وَأَنَّنَا أَمَامَ مُقَارَبَةٍ جَدِيدَةٍ تُنَاقِضُ وَتَنْسِفُ السَّابِقَةَ،وَأَنَّ «الاِسْتِقْلَالَ الذَّاتِيَّ الحَقِيقِيَّ» لَيْسَ إِلَّا مُسَمًّى خَالِيًا مِنَ المَضْمُونِ، وَنَتِيجَةَ مَنْهَجٍ قَائِمٍ عَلَى التَّحَايُلِ.
فِي العَرْضِ الجَدِيدِ غَيَّرَ المَغْرِبُ مَوْقِفَهُ، وَتَرَاجَعَ عَنْ اِلْتِزَامَاتِهِ الأُولَى – تِلْكَ الَّتِي أَكْسَبَتْهُ تَعَاطُفَ بَعْضِ الدُّوَلِ الَّتِي اعْتَرَفَتْ بِـ«مَغْرِبِيَّةِ الصَّحْرَاءِ» وَتَنَصَّلَ مِنَ التَّعَهُّدَاتِ الَّتِي قَدَّمَهَا لِلأُمَمِ المُتَّحِدَةِ فِي وَثِيقَةِ 2007، وَالَّتِي تاسَّسَ عَلَيها القَرَارِ 2797.
وَفِي الوَاقِعِ، فَإِنَّ «خُطَّةَ الحُكْمِ الذَّاتِيِّ» الجَدِيدَةَ لَمْ تُوَسَّعْ بَلْ ضُيِّقَتْ، وَلَمْ تُغْنَ بَلْ أُفْقِرَتْ، وَأُعِيدَ صِيَاغَتُهَا فِي إِطَارِ حُكْمٍ ذَاتِيٍّ مُلْغَّمٍ بِالشُّرُوطِ وَالفِخَاخِ. وَلَمْ يَعُدْ فِيهَا ذِكْرٌ لِعُنْصُرٍ جَوْهَرِيٍّ أَسَاسِيٍّ، هُوَ «الاِسْتِشَارَةُ الاِسْتِفْتَائِيَّةُ» الَّتِي كَانَ المَغْرِبُ قَدِ اِلْتَزَمَ بِهَا سَنَةَ 2007 (النِّقَاطُ 8 وَ27 وَ28 مِنَ «المُبَادَرَةِ»).
النُّقْطَةُ 8:«سَيُعْرَضُ نِظَامُ الحُكْمِ الذَّاتِيِّ، النَّاتِجُ عَنِ المُفَاوَضَاتِ، عَلَى اِسْتِشَارَةٍ اِسْتِفْتَائِيَّةٍ لِلسُّكَّانِ المَعْنِيِّينَ، وَفْقًا لِمَبْدَإِ تَقْرِيرِ المَصِيرِ وَأَحْكَامِ مِيثَاقِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ».
النُّقْطَةُ 27:«سَيَكُونُ نِظَامُ الحُكْمِ الذَّاتِيِّ لِلجِهَةِ مَوْضُوعَ مُفَاوَضَاتٍ، وَسَيُعْرَضُ عَلَى اِسْتِشَارَةٍ اِسْتِفْتَائِيَّةٍ حُرَّةٍ لِلسُّكَّانِ المَعْنِيِّينَ. وَيُشَكِّلُ هَذَا الاِسْتِفْتَاءُ، وِفْقًا لِلشَّرْعِيَّةِ الدُّوَلِيَّةِ وَمِيثَاقِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ وَقَرَارَاتِ الجَمْعِيَّةِ العَامَّةِ وَمَجْلِسِ الأَمْنِ، المُمَارَسَةَ الحُرَّةَ لِهَؤُلَاءِ السُّكَّانِ لِحَقِّهِمْ فِي تَقْرِيرِ المَصِيرِ».
النُّقْطَةُ 28:«وَلِهَذِهِ الغَايَةِ، تَلْتَزِمُ الأَطْرَافُ بِالعَمَلِ المُشْتَرَكِ، وَبِحُسْنِ نِيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ هَذَا الحَلِّ السِّيَاسِيِّ وَالمُصَادَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ طَرَفِ سُكَّانِ الصَّحْرَاءِ».وَلَمْ يَقْتَصِرِ الأَمْرُ عَلَى رَفْضِ «اِسْتِفْتَاءِ تَقْرِيرِ المَصِيرِ» الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ جَبْهَةُ البوليزاريو مُنْذُ سَبْعِينِيَّاتِ القَرْنِ المَاضِي، بَلْ تَمَّ أَيْضًا إِقْصَاءُ مَفَاهِيمِ «الاِسْتِشَارَةِ الاِسْتِفْتَائِيَّةِ لِلسُّكَّانِ المَعْنِيِّينَ» وَ«الاِسْتِشَارَةِ الحُرَّةِ» وَ«المُصَادَقَةِ مِنْ طَرَفِ سُكَّانِ الصَّحْرَاءِ» مِنَ الخِطَابِ الجَدِيدِ.
وَبِذَلِكَ فُرِّغَ مَبْدَأُ «المُفَاوَضَاتِ» مِنْ مَضْمُونِهِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا إِمْلَاءُ الشُّرُوطِ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ.وَنَقْرَأُ فِي الفَصْلِ السَّابِعِ المُعَنْوَنِ «المُصَادَقَةُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ وَالإِدْمَاجُ الدُّسْتُورِيُّ» (النُّقْطَةُ 29):«سَيُعْرَضُ نِظَامُ الحُكْمِ الذَّاتِيِّ عَلَى اِسْتِفْتَاءٍ وَطَنِيٍّ يُشَارِكُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاخِبِينَ المَغَارِبَةِ».
وَنَصِلُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى خُلَاصَةٍ مُفَادُهَا أَنَّ الخِطَابَ الرَّسْمِيَّ المَغْرِبِيَّ كَانَ سِلْسِلَةً مِنَ المُغَالَطَاتِ:فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرَأْيِ مَحْكَمَةِ العَدْلِ الدُّوَلِيَّةِ؛وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَقَاسُمِ الإِقْلِيمِ مَعَ مَوْرِيتَانِيَا؛وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّيْطَرَةِ عَلَى الجُزْءِ الَّذِي تَنَازَلَتْ عَنْهُ مَوْرِيتَانِيَا؛وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُبَادَرَةِ 2007 كَأَسَاسٍ لِلتَّفَاوُضِ؛وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَعْدِ اِسْتِشَارَةِ الصَّحْرَاوِيِّينَ.
كَيْفَ يُمْكِنُ الِافْتِخَارُ بِـ«اِنْتِصَارٍ» هُوَ اِنْتِصَارُ الكَذِبِ وَنَقْضِ العُهُودِ وَالغَدْرِ وَاتِّفَاقِيَّاتِ أَبْرَاهَامَ، وَهُوَ – بِنِسْبَةٍ كَبِيرَةٍ – اِنْتِصَارٌ لِـ دونالد ترامب!
إِنَّ الحُكْمَ الذَّاتِيَّ الزَّائِفَ الَّذِي يُعَدُّ لِلصَّحْرَاوِيِّينَ، عَبْرَ خِدَاعِ عَالَمٍ مُتَوَاطِئٍ، سَيَنْقَلِبُ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمًا مَا، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى.
