مَدْفُوعَيْنِ بِنَفَسِ العَظَمَةِ، قَدَّمَ نِيتْشِه وَبَن نبِي لِأُمَّتَيْهِمَا فَلْسَفَةً لِلْوُجُودِ تُحَصِّنُهُمَا مِنَ الاِنْحِطَاطِ وَالاِضْطِرَابِ الذِّهْنِي. كَانَ نِيتْشِه مُتَشَائِمًا إِلَى حَدِّ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ زَمَنِهِ، بَيْنَمَا ظَلَّ بَن نبي، رَغْمَ التَّقَلُّبَاتِ الَّتِي جَابَهَتْهُ فِي حَيَاتِهِ، «حَاضِرًا» فِي عَصْرِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَدْفُوعًا بِشُعُورٍ بِمُهِمَّةٍ أُخْرَى، هِيَ الشَّهَادَة.
كَانَ الأَوَّلُ مَشْدُودًا إِلَى إِرَادَةِ القُوَّةِ حَتَّى الاِغْتِرَابِ، وَكَانَ الثَّانِي مَحْمُولًا بِإِرَادَةِ النَّهْضَةِ إلى حَدِّ الهَوَس.وَعَلَى خِلَافِ مَا يُعْتَقَدُ، لَمْ يَكُنْ نِيتْشِه مُنْكِرًا لِلَّهِ وَلَا عَدُوًّا لِلأَدْيَانِ. فَأُسْلُوبُهُ فِي الأَسَاسِ أُسْلُوبٌ رَمْزِيٌّ، وَيُظَنُّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَلْهَمَ مِنْ إِنْجِيلِ لُوثَر. وَقَدْ أَشَارَ بَن نبي إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «تِلْكَ النَّضَارَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ الَّتِي لَا نَجِدُهَا فِي أُسْلُوبِ أَيِّ فَيْلَسُوفٍ آخَر».
كَانَ ابْنَ قِسٍّ، وَكَانَ هَذَا المُحْتَدِمُ فِي الحَقِيقَةِ مُتَمَرِّدًا عَلَى القِيَمِ المَسِيحِيَّةِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا عَقِيدَةُ «الخَطِيئَةِ الأَصْلِيَّةِ»، تِلْكَ القِيَمُ الَّتِي رَأَى فِيهَا إِذْلَالَ الإِنْسَانِ وَنَفْيًا لِتَطَلُّعَاتِهِ إِلَى حَيَاةٍ حُرَّةٍ وَغَنِيَّة. وَلَمْ تَكُنْ كَرَاهِيَتُهُ لِلْمَسِيحِيَّةِ عَمَلًا تَحَدِّيًا، بَلْ كَانَتْ اِحْتِجَاجًا قَوِيًّا؛ فَهُوَ لَا يُهَاجِمُ جَوْهَرَهَا، بَلْ أَخْلَاقَهَا السكولجية الَّتي غَرَسَتْها فِي النَّفْسِ الغَرْبِيَّةِ.كَانَ نِيتْشِه فِي بَحْثٍ عَنْ «إِلَهٍ مَجْهُولٍ»، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ كَمَا وَجَدَهُ غُوتَه عِنْدَ اِحْتِكَاكِهِ بِالإِسْلَامِ، فَقَدْ اِنْتَهَى بِهِ الأَمْرُ إِلَى الجُنُون.
وَفِي كِتَابِهِ الأَشَدِّ عُنْفًا تُجَاهَ المَسِيحِيَّةِ («ضِدُّ المَسِيحِ») يُقَارِنُهَا بِالإِسْلَامِ وَيَكْتُبُ:«حِينَ يَحْتَقِرُ الإِسْلَامُ المَسِيحِيَّةَ، فَهُوَ مُحِقٌّ أَلْفَ مَرَّة؛ فَالإِسْلَامُ يَفْتَرِضُ رِجَالًا… لَقَدْ حَرَمَتْنَا المَسِيحِيَّةُ مِنْ حَصَادِ الثَّقَافَةِ القَدِيمَةِ، ثُمَّ حَرَمَتْنَا فِيمَا بَعْدُ مِنْ حَصَادِ الثَّقَافَةِ الإِسْلَامِيَّةِ.
إِنَّ الثَّقَافَةَ المَوْرِيسْكِيَّةَ الرَّائِعَةَ فِي إِسْبَانِيَا، وَهِيَ فِي العُمْقِ أَقْرَبُ إِلَيْنَا، وَأَكْثَرُ تَعْبِيرًا عَنِ الرُّوحِ وَالإِحْسَاسِ مِنْ رُومَا وَاليُونَانِ، قَدْ تم دوسها بِالأَقْدَامِ لأَنَّهَا وُلِدَتْ مِنْ غَرَائِزَ إِنْسَانِيَّةٍ، وَلِأَنَّهَا قَالَتْ نَعَمْ لِلْحَيَاةِ، وَقَالَتْهَا بِكُلِّ مَا فِي الحَيَاةِ المَوْرِيسْكِيَّةِ مِنْ رِقَّةٍ وَنَفَاسَة…
إِنَّ الصَّلِيبِيِّينَ قَاتَلُوا شَيْئًا كَانَ الأَجْدَرُ بِهِمْ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُ فِي التُّرَابِ، ثَقَافَةً كَانَ عَلَى قَرْنِنَا التَّاسِعَ عَشَرَ نَفْسِهِ أَنْ يَشْعُرَ أَمَامَهَا بِفَقْرِهِ وَتَأَخُّرِهِ… «حَرْبٌ بِلا هَوَادَةٍ عَلَى رُومَا! وَسَلَامٌ وَصَدَاقَةٌ مَعَ الإِسْلَامِ». هَكَذَا كَانَ شُعُورُ وَفِعْلُ هَذَا العَقْلِ الحُرِّ الكَبِيرِ، العَبْقَرِيِّ بَيْنَ الأَبَاطِرَةِ الأَلْمَانِ، فِرِيدْرِيك الثَّانِي».
يَتَغَلْغَلُ الأُسْلُوبُ الإِنْشَادِيُّ فِي مُجْمَلِ أَعْمَالِ نِيتْشِه، إِذْ كَانَ مُقْتَنِعًا بِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُ بُلُوغُهُ إِلَّا عَبْرَ الطَّرِيقِ البَاطِنِيِّ لِرُوحِهِ عِنْدَمَا نَرْغَبُ فِي إِحْدَاثِ تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ فِيهِ. وَرَغْبَةً فِي الوُصُولِ إِلَى أَعْمَاقِهِ وَغَرْسِ قِيَمٍ جَدِيدَةٍ فِيهِ، فَقَدْ فَضَّلَ النَّبْرَاتِ الدِّينِيَّةَ الَّتِي وَحْدَهَا تَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ إِلَى طَبَقَاتِ اللَّاوَعْيِ فِي النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ، حَيْثُ تَتَشَكَّلُ الأَفْكَارُ الأُولَى وَالنَّمَاذِجُ الأَصْلِيَّةُ وَالدَّوَافِعُ.فِي الحَقِيقَةِ، يَقْتَرِحُ نِيتْشِه دِينًا جَدِيدًا هُوَ «إِرَادَةُ القُوَّةِ»، وَيَسْتَعِيرُ لِذَلِكَ وَسَائِلَ كَالوَحْيِ المُدَوِّي، وَتَحْدِيدِ أَوَامِرَ جَدِيدَةٍ، وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا…
وَلَمَّا لَمْ يَكْفِهِ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مِثْلَ زَرَادَشْت، جَعَلَ مِنْ عَمَلِهِ مَصْدَرًا «مَا وَرَاءَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ» لِهَدْمِ القِيَمِ المُتَقَادِمَةِ وَإِحْلَالِ قِيَمٍ جَدِيدَةٍ، هِيَ قِيَمُ الإِنْسَانِ الأَعْلَى الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكُونَ كَاهِنَهُ. إِنَّهُ نَاسِكٌ غَاضِبٌ يَفْرِضُ أَمْرًا قَاطِعًا عَلَى عَصْرِهِ لِيَدْفَعَهُ إِلَى الحَذَرِ مِنَ اللَّغْوِ العَقِيمِ.
وَنَجِدُ عِنْدَ بَن نبي هَذَه الرُّوحَ التَّمَرُّدِيَّة، وَأَحْيَانًا ذَلِكَ المَوْقِفَ التَّحْطِيمِيَّ ضِدَّ القِيَمِ المُتَحَجِّرَةِ، سَوَاءً فِي كِتَابَاتِهِ العَلَنِيَّةِ أَوْ فِي نُصُوصِهِ غَيْرِ المَنْشُورَةِ، كَمَا فِي هَذَا المَقْطَعِ مِنْ مُذَكِّرَاتِهِ:«مُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، صَارَتْ ثَقَافَةُ الأَزْهَرِ وَالزَّيْتُونَةِ، تِلْكَ الثَّقَافَةُ الَّتِي تَقْتُلُ الضَّمَائِرَ وَالأَرْوَاحَ، تُثِيرُ فِي نَفْسِي الاِشْمِئْزَازَ كَأَشَدِّ كَارِثَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُهَدِّدَ العَالَمَ الإِسْلَامِيَّ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، لَمْ تَكُفَّ الحَيَاةُ، لِلأَسَفِ، عَنْ تَرْسِيخِ هَذَا الاِقْتِنَاعِ فِي نَفْسِي. لِكَيْ يَعِيشَ الإِسْلَامُ أَوْ يُبْعَثَ فِي الضَّمَائِرِ، لَا بُدَّ مِنْ قَتْلِ مَا يُسَمَّى اليَوْمَ «الثَّقَافَةَ الاسلامية»، تِلْكَ الثَّقَافَةُ الَّتِي تُفْسِدُ الأَرْوَاحَ، وَتُذِلُّ الشَّخْصِيَّة، وَتُضْعِفُ الضَّمَائِرَ، وَتُخَنِّثُ الفَضَائِلَ».
وَنَلْمَسُ هُنَا صَدًى نِيتْشَوِيًّا وَاضِحًا مِنْ «هَكَذَا تَكَلَّمَ زَرَادَشْت» فِي هُجُومِهِ عَلَى «الَّذِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ آمَالٍ سَمَاوِيَّةٍ، أُولَئِكَ المُسَمِّمُونَ… لَدَيْهِمْ شَيْءٌ يَفْخَرُونَ بِهِ. مَاذَا يُسَمُّونَهُ؟ يُسَمُّونَهُ الثَّقَافَة…».
لَقَدِ اسْتَلْهَمَ كُلٌّ مِنْ جُبْرَان خَلِيل جُبْرَان، وَمُحَمَّد إِقْبَال، وَمَالِك بَن نبي مِنْ نِيتْشِه لَمَحَاتِهِ الخَاطِفَةَ. فَقَدْ تَأَثَّرُوا، فِي مَرْحَلَةِ يَقَظَتِهِمُ الفِكْرِيَّةِ، بِالتَّيَّارِ الحَيَوِيِّ لِلفِكْرِ الأَلْمَانِيِّ عُمُومًا، وَبِفَلْسَفَةِ وَأُسْلُوبِ نِيتْشِه خُصُوصًا، وَهُمْ مَدِينُونَ لَهُ بِاِنْفِتَاحِهِمْ عَلَى الوَعْيِ التَّرَاجِيدِيِّ وَاكْتِشَافِهِمْ لِلنَّفْسِ الفَاوْسْتِيَّةِ.
أَمَّا المُشْكِلَةُ الَّتِي شَغَلَتْهُمْ جَمِيعًا، وَهِيَ تَخَلُّفُ العَالَمِ العَرَبِيِّ الإِسْلَامِيِّ وَالاِسْتِبْدَادُ الَّذِي تُمارِسُهُ المَدْرَسَةُ التَّقْلِيدِيَّةُ عَلَى الفِكْرِ، فَقَدْ وَجَدُوهَا مَطْرُوحَةً تَقْرِيبًا بِالصِّيغَةِ نَفْسِهَا فِي أَعْمَالِ وَأَفْكَارِ فِيشْتِه، وَغُوتَه، وَنِيتْشِه. وَلِذَلِكَ خَاضُوا جَمِيعًا مَعْرَكَةً ضِدَّ الاِسْتِقَالَةِ الفِكْرِيَّةِ، وَنَقَلُوا إِلَى الفِكْرِ العَرَبِيِّ الإِسْلَامِيِّ الحَدِيثِ رُوحَ الفَلْسَفَةِ الأَلْمَانِيَّةِ وَصُوَرَهَا وَمَفَاهِيمَهَا.
وَيَكْتُبُ مُحَمَّد إِقْبَال بِجُرْأَةٍ فِي كِتَابِهِ «تَجْدِيدُ التَّفْكِيرِ الدِّينِيِّ فِي الإِسْلَام»:«لَيْسَ فِي الأَمْرِ مَا يُدْهِشُ أَنْ يُطَالِبَ الجِيلُ المُسْلِمُ الشَّابُّ فِي آسِيَا وَإِفْرِيقِيَا بِتَوْجِيهٍ جَدِيدٍ لِإِيمَانِهِ. وَمَعَ نَهْضَةِ الإِسْلَامِ، يُصْبِحُ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ نَدْرُسَ، بِرُوحٍ مُسْتَقِلَّةٍ، مَا فَكَّرَتْ فِيهِ أُورُوبَّا، وَمَدَى إِمْكَانِ أَنْ تُسَاعِدَنَا نَتَائِجُهَا عَلَى مُرَاجَعَةِ الفِكْرِ اللاَّهُوتِيِّ الإِسْلَامِيِّ، وَإِعَادَةِ بِنَائِهِ عِنْدَ الحَاجَة».
أَمَّا جُبْرَان خَلِيل جُبْرَان، الَّذِي كَانَ يُؤْمِنُ بِدِينٍ إِنْسَانِيٍّ فَيَرَى أَنَّ:«اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لِلْحَقِيقَةِ أَبْوَابًا مُتَعَدِّدَةً، حَتَّى يَتَمَكَّنَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَطْرُقُهَا مِنَ الدُّخُول».
