بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
بتاريخ 10 جانفي 1951 أنهى بن نبي تحرير مُقدمة في ثماني صفحات دون أنْ يذكُر الكتاب الذي خصصها له (1). والحقيقة أنّ هذا النص لا يقبل التلخيص، بل يُقرأ كاملاً. وهو يبدأ بما يشبه رسالة، لكنه جاء تحت عنوان مُثير للعجب، وهو:
أيها القارىء المُسلم، يا أخي ويا عدوِّي !
” أنا مُلِحٌّ على أنْ أقدّم لك هذا المنشور بنفسي. فأنا أريد أنْ أُحدِّثك، وأن أقول لك أشياء خطيرة، بل أخطر الأشياء التي قيلت لك. في منشور سابق، كان الحياء هو الذي ثناني عن ذلك لأني لم أكن أريد أن أقول لك ببعض الأشياء كي أُسمعك إياها. أمّا في هذا المقام فإني أريد أن أُسمِعك إياها بوضوح لأن تدليس وجهل سُرَّاق الشهرة (2) لا يزالان مُسيطريْن على عقلك. أنت تُمثِّلُ عندهم جزءا من السلطة التي يريدون المحافظة عليها. ولذلك كان عليّ أن أبدأ بالتنديد بعجزك على إفشال أفخاخهم وعلى الإحساس بأخطائك. أنا أريدُ أنْ أُعلِّمك كيف تطرح عليهم أسئلة، وأن تتساءل بينك وبين نفسك، لكي تتفادى أفخاخهم وأخطاءك أنت. فلنبدأ من البداية.
وتلك البداية هي الالتباس الذي أنت فيه، وهو عجزك عن الرؤية الواضحة. إنك تحس بدائك تمام الإحساس، لكن كيف سمّيتَه؟ فبدلاً من فحص دائك، ومِن طرح تساؤلات مِن قبيل” لماذا أنا مُسْتَعْمَر؟” بدلا من ذلك اكتفيتَ بالإنصات إلى الأصوات الناعقة في المعرض. ثُمّ صرختَ بأعلى صوتك، مثلك مثل سُرّاق الشهرة والقطيع التعيس الذي يستغلونه “ليسقط الاستعمار ”! ، ثُمّ عُدْتَ إلى الإنصات ثانيةً إلى صُراخات المعرض. وأردْتَ بدورك أن تُسمي داءك… لا تُنْصِتْ إليّ، بل انتبه إليّ كي تفهم الأشياء.
عليك ببذل مجهود بخيالك كي تُتابعني بخطى عملاقة. اتْبعْني إلى سان فرانسيسكوSan Francisco. وانظر بعينيك وذكائك وليس بأذنيك. إنّ هذه المدينة ومظاهر الحياة التي تراها فيها هي من عمل ذلك الإنسان الذي تراه هنا مُنكباًّ على عمله، فهو يعمل… لكن ماذا يعني، بتعبير تحليلي وعناصر أساسية، ذلك الفعل الذي يُغيّر به الإنسان الطبيعة ويتغيّر هو نفسه؟ ماذا تعني هذه الكلمة التي تعني التعب وعرق الجبين من جهة، وتعني الشرط الأساسي للعيش الرغيد، وكذا الأمان والقوة من جهة أخرى؟ هذا هو اللّغز الذي أريد أن أبدأ بكشفه لك.
ماذا يفعل الإنسان الذي يعمل ويوجِدُ ظروف عيشه بكدّه؟ إنه في الأساس يقوم بتركيبة متكونة من الإنسان والأرض والزمن… والآن، وقد اطّلعْتَ على سرٍّ عظيم، بإمكاننا أن نواصل طريقنا بخطى عملاقة. لا شكّ أنك مررْتَ على نيويورك New York ، وتأمّلت كذلك في لندن وباريس، وعرّجْتَ على بروكسل وزوريخ وروما، ووصلتَ إلى فرسوفيا، ثُمّ ذهبت إلى أبعد حدٍّ، إلى موسكو، بل إلى طوكيو كذلك. فماذا رأيْت؟ هل لاحظْتَ تغيُّراً جذرياًّ في مظاهر الحياة عبر محطات رحلتك، إنْ كُنتَ فاتحاً عينيك أثناءها ؟ لا شكّ أنك رأيت في كل مكانٍ نفس الأنشطة ونفس الصّروح ونفس الطرق والمصانع والورشات والآلات، ونفس المدارس والمخابر.
كما أنك رأيتَ أيضاً أنّ ظروف حياة الإنسان مؤسسة على تلك الأشياء. لكنْ، كيف تُسمّى تلك الأشياء في التاريخ، كيف تُسمّى تلك التركيبة المتكونة من الإنسان والأرض والزمن، والتي لاحظْتَها من سان فرانسيسكو إلى موسكو؟ إنك تعرف ذلك جيِّداً لأنك أنت بنفسك عندما تريدُ أن تُسمي الأشياء بأسمائها فإنك تقول “الحضارة الغربية”. والآن علينا أنْ نُواصل مشوارنا في اتجاهٍ آخر.
وسننطلق من طنجةTanger لنقطع الشمال الإفريقيّ، ثُمّ نسير عبر رمال الساحل الليبي، ونمرّ على النيل وقناة السويس، لنزور بلدان الشرق الأوسط، ثُمّ نغوص في الأراضي الإسلامية بالهند حتى نصل إلى جافاJava (Indonésie). فماذا نرى خلال تلك الرحلة؟ ماذا نرى غير نفس مظاهر الحياة الأساسية، أي: نفس الجمود، ونفس الفقر والجهل، ونفس النُّعاس؟ فكيف يُسمّى هذا المجال الذي يسود فيه السكون؟ أوليس هو مجال الحضارة الإسلامية؟ ولا شك أنك تعرف هذا أيضاً. لكن لا تتسرّع بطرح أسئلتك عليّ الآن.
وبُغية الخروج بخلاصة عامة علينا أنْ نُتمِّمَ جولتنا. فبعْدَ هذا المشوار عبر المكان لنبدأ مشوارنا الآخر عبر الزمان. ولو رجعنا إلى الخلف بمقدار ألفية من الزمن لوجدنا أنّ المجال الإسلامي كان يمتدّ من سمرقندSmarkand إلى قرطبةCordoue ، والمجال الغربي يمتد من لندن إلى موسكو. لكن على طول المسافة الممتدة من قرطبة إلى سمرقند كانت هنالك ورشة يشتغل فيها مفكرون وعلماء وفقهاء وفنانون وحِرفيون… إنه المجال الذي كان فيه الإنسان يُحقق تلك التركيبة الحضارية الإسلامية. بينما كان المجال الآخر الممتد من لندن إلى موسكو غارقاً في الحياة الإقطاعية التي يعيش فيها الإنسان “كخادمٍ يُنْهش ويُمتهنُ إلى أقصى حدّ” « Taillable et corvéable à merci ».
مارأيُك الآن في أن نقوم بقفزةٍ إلى الأمام، مسافتها ألف عام في التاريخ؟ فلا داعي إذاً إلى مُساءلتي عن المستقبل، فأنا لا أعرف عنه شيئاً. لكنني أقول لك ما قال علاَّمُ الغيوب: ” وتلك الأيامُ نُداولها بين الناس”. والآن، وقد أتممْنا رحلتنا، فالأحسن أن نُحاول الخروج بخلاصة.
لقد أتُيح لك أن تلاحظ بأمِّ عينك أنّ ظروف حياة الإنسان ليست مرهونة بمعطيات عرقية أو لغوية أو سياسية أو جغرافية. وبالفعل فهناك عدة لغات من سان فرانسيسكو إلى موسكو، وهناك أجناس مختلفة، وأنظمة سياسية وأنواع مختلفة من المناخ. لكنك لاحظت نفس ظروف الحياة الناتجة عن نفس الكدّ ونفس التركيبة. كما لاحظت أنّ تلك الظروف مرتبطة بالمعطيات العامة التي تخُصُّ مجالاً ما، وأنها لا تتنوّع تنوّعاً كبيراً من إطار مؤسساتي إلى آخر. وفي كلمة واحدة، إنك لاحظْتَ أن مصير الإنسان يحمل بصمة عميقة من حضارته، وأنه يعلو وينزل بعلوّها أو نزولها.
تلك هي الخلاصة الأساسية التي أدعوك إلى أن تقف عندها من هذه الرحلة عبر الزمان والمكان، أو عبر التاريخ. وتلك الخلاصة جوهرية لأنها تُمثِّلُ مقياساً ومنهجية. فهي مقياس يُمكِّنُك من الإقلاع عن غلطك والإفلات من الفِخاخ التي يمكن أنْ تُنصَبَ لك من أجل منعك من تبيُّنِ الزُّور والتمييز بين” الوطنية” و” الخيانة”. فأنت تعرف الآن أن كلّ ما لا يُساعدُ على تحقيق التركيبة بين الإنسان والأرض والزمن هو زور في التاريخ، وهو بالتالي زور في الحياة اليومية.
وتلك الخُلاصة هي كذلك منهجية لأنّها إذْ تُلْهِمُ فلسفتك الاجتماعية، فهي تُعطي جهدك فاعليته القصوى، وتُعطي حياتك وجهةَ سهمٍ مُوجّهٍ نحو حضارة، وبمعنى آخر- وهذا لا يخفى عليك – نحو الوضع الإنساني الوحيد الذي يمكن تحقيقه. والآن، وقد صار هذا المقياس وتلك المنهجية في متناولك ـ وسأعمل على تعميق هذين المفهومين لصالحك في هذه الدراسة ـ بوُدِّي أنْ أدفعك إلى التفكير في غلطاتك وأوهامك.
إنّ مُشكلتك تُموّهُ منذ البدءِ عندما تُطلِق عليها اسماً يحُدُّها بحدود ويضع على ناظِريك واقيين جلديين يمنعانك من الرؤية الجانبية. وهذا بالذات هو خطؤك عندما تتكلم عن “مشكلة جزائرية” أو “مشكلة يمَنية”، مع أنك تعرف أنّ الداء واحد من طنجة إلى جافا. أيحِقُّ لك أن تُسمّي الطاعون بأسماء مختلفة كأنْ تُسميه “حُمّى” هنا، و “زكام” هناك أو غير ذلك من التسميات؟ أنت تعرف أنّ العلاج ينجم عن التشخيص، فلو كان أحدُهما خاطئاً فالآخر يكون بالضرورة خاطئا. وأنت ترى العلامة أيضاً، لكنك لا ترى معناها.
فيا أخي، إنّ الصليب في بلدٍ مسيحيٍّ، بالإضافة إلى كونه رمزاً للمسيحية، فهو علامةٌ تدلّ على المقابر كذلك. إنه صولجان الموت. وكذلك فإنّ الاستعمار في بلدٍ مُستعمَرٍ عبارة عن صولجان للقابلية للاستعمار. ومع ذلك فإنني لم أسمعك تتحدث أبداً عن قابليتك للاستعمار، بل تكتفي بالحديث عن الاستعمار. إنك لا تقول “لماذا أنا مُستعمَر”، بل تكتفي بقولك ” أنا مُستعمَر”. وأنت لا تتحدث عن “واجباتك”، بل تكتفي بالحديث عن “حقوقك”.
أنا أعرف أنّ موقفك العقيم ناجم عن مقياس وعن منهجية. فأنت تُنصِتُ إلى أخطائك وأكاذيبهم. ذلك أنّ” سارقي الشّهرة” يكذبون عليك، إذ لا يهمّهم أن يُنيروا طريقك، بل يريدون أن يبهروك، وأنْ يخدموك مُقابل أن يستخدموك للحفاظ على جزء من السلطة. ومع ذلك فمِن الواضح أنّ القضاء على النبتة السّامّة يتطلب إصابتها في برعمها بدءاً من الجذور. والحال أنّ جذور الاستعمار هي القابلية للاستعمار. فالبلد الذي شعبُهُ غير قابل للاستعمار لا يمكن للاستعمار أنْ يُقيم على أرضه.
إن الشعب الألماني ليس مُستعمراً في الحاضر مع أنّ الأراضي الألمانية مُحتلّة. فلا يمكن للاستعمار أن يغرس صولجانه إلاّ حيثُ توجد مقبرة تثوي فيها حضارة، وبتعبير آخر، الإنسان القابل للاستعمار. وها أنت ذا قادر على الفهم، وباستطاعتي أن أكشف لك عن سرٍّ آخر. فبين القابلية للاستعمار والاستعمار توجد مُعاهدة: فهُما كذلك يتصافحان في المعرض الذي يبيع فيه “سارقو الشهرة” مصيرك ومصيرنا. والاستعمار يعرف أن صُراخات المعرض ليست من “الوطنية” في شيء، وهي ليست بالسياسة ولا الثقافة، بل هي خيانة، وهي “بوليتيك” وتخريف وسِحر ووهم وإيهام. فكلّ ما لا يُؤدي إلى تركيبة الإنسان مع الأرض والزمن ليس شيئاً يُذكر في التاريخ.
لكنْ، لك عليّ بعض الإيضاح، لأنّي مُتمسك بمبدإ ألاّ أتركك تسمع الأشياء، بل أريد إسماعك إياها. قد تتوهّم أنّ المشكلة تكاد تكون محلولة باعتبار أنّ في العالم الإسلامي، كغيره من العوالم الأخرى، هناك إنسان قادر على إنجاز تركيبة الحضارة الإسلامية، ولا ينقصُهُ إلاّ تحديد هدفه في التاريخ.
لكنْ، إنْ كُنتَ قد توهَمت هذا فقد غاب عنك معنى هذه الدراسة منذ السطر الأول، وقد خطوْتَ معي خطوتك الأولى في الطريق الخاطىء. ولهذا فإني أقول لك يا أخي أني لا أتكلم عن الإنسان الذي أجهضته حضارة، أو عن “الأنديجان” القابل للاستعمار والخاضع للاستعمار بدرجات متفاوتة من طنجة إلى جافا، بل أتحدث عن الإنسان الذي عليه أنْ يُنتِج حضارة. وهذا هو هدفي المقصود عندما طرحتُ في هذه الدراسة مسألة الإنسان وعرّفتُ بالثقافة القادرة على إيجاده.
لكن الثابت أنّ هذا المُبدِع لا يُخلَقُ في المعرض الذي يُثرثر فيه “سُرّاق الشهرة”، أولئك العمال الدجالون والمُبدعون الدجالون. ولو تساءلنا: ماذا يقولون؟ ماذا يقول ذلك الذي يقضي أغلب وقته في توظيبُ عمامته وتنقيح لغته؟ إنه عبارة عن شبح آتٍ من الماضي، وكأنه بُعث بعد أن عاش في زمن هارون الرشيد. وهو يستشهد بعبارات جميلة لابن النظيم، أو بالنثر الفنّي للحريري، وبقوافي المتنبي المُدوِّية، ويعتبر كل ذلك من الحُجج الدامغة. وأنت مُندهش ومسحور بتلك الكلمات، لا تجد مناصاً من التعبير عن موافقتك بحركات رأسك وقد ارتويْتَ من فصاحة ذلك الداعي إلى الذكريات.
وماذا يقول ذلك الذي يعمد إلى رسم التقطيبة المناسبة لهذا اليوم المشهود، تقطيبته الانتخابية، وهذا دون أن يغفل رمشة عين عن ربطة عنقه؟ إنه داعية الحاجيات الجديدة. وهو يريد أنْ يُقنعك بالاستشهاد بفيكتور هيجو أو فولتير، وأنت مستمر بتحريك رأسك تعبيراً عن الرضا… لكنني أرى في أعماقك تردداً وحيرة: فأنت تحلم تارة بمظاهر الترف في ألف ليلة وليلة، وبسيارة فخمة وأريكة مُريحة تارة أخرى، إنك تحلم يا أخي، وإنهم يدفعونك إلى الاستمرار في حلمك، لكن الحضارة ليست متحفاً لذكريات قديمة، ولا بازاراً للأشياء الجديدة. إنها ورشة، أو مصنع، أو مخبر يُحقق فيه الإنسان وجوده بإنجاز التركيبة الأساسية بين قدرته وبين الأرض والزمن. وهي كذلك معبد باستطاعة الإنسان ـ إذا أراد أن يتنفس ويستلهم ـ أن يرفع رأسه فوق عمله ويكتشف لانهائية الله الذي يُلهم عبقريته ويُجدد عزمه. إنه معبد يكون الجهل فيه متحفظاً ومُستحْيِياً مثل علامة الاستفهام. فلا بُدّ من تطهير المعبد من الجهل الثرثار والجهل التوسّعي الذي ينتشر بوقاحة وبدون أي حياء وكأنه علامة تعجب”.
°°°
وبتاريخ 22 جانفي 1951 حرّر بن نبي “رسالة مفتوحة إلى برتراند روسل” Bertrand Russel ، وقد عثرْتُ على مخطوطتها في أرشيفه، وليس هناك ما يسمح بمعرفة ما إذا كانت قد نُشِرَتْ أمْ لم تُنشر. وكان ضغط الإدارة الاستعمارية يزداد ضراوةً عليه، لكن ذلك لم يمنعه من تحرير مقال يدعو فيه إلى المقارنة بين ميزانية الشرطة في الجزائر وبين ميزانية تعليم الأنديجان (3). فكان عُرضةً لِمُلاحقة مفضوحة من رجال الشرطة في كل مكان يحلّ فيه. والأدهى من هذا كله أنّه لم يَعُدْ لديه ما يسُدُّ به رمقه. وبعد ذلك المقال نشر مقالاً آخر ذكر فيه “الأستاذ العظيم ماسنيون الذي يعود له الفضل في التمييز بين التجديد والتّجدُّد”، وبعد ذلك ببضعة أسطر راح يُبيِّنُ أنّ “التجديد لا يؤدي إلى إيجاد إنسان جديد، بل إلى وجه جديد للإنسان القديم” (4).
ولا يخفى ما بين محتوى كتاباته وبين حالته المعنوية من تضاربٍ وتناقض. فقد كانت تلك الفترة من أحلك المراحل عليه، حتى أنه بدأ يُفكِّرُ في وضع حدٍّ لحياته بدليل ما كتبه في مذكراته: “كُنتُ مُنتحراً من الناحية النفسية”.
وفي نص غير منشور كتبه في تلك الفترة التي تُذكرنا بقصيدة حمودة بن ساعي المؤلفة سنة 1936، لم يَقْوَ بن نبي على إخفاء ما في نفسه من انهيار وفقدان أمل، إذ يقول: “إنّ ما يُثير حيرتي هو بزوغ تباشير مشروع أفتكُّه جزءاً جزءاً في مسيرتي التي لا تخرج من هوّةٍ حتى تسقط في أخرى، ولا تنجو من سديمٍ حتى تقع في سديم آخر، ولا تصحو من دوار حتى يستولي عليها دوار آخر. وهو مشروع يُحافظ لي على شعلة الأمل، إلاّ أنّ العاصفة قوية وأملي هشّ وضعيف ! وإنّ مأساة هؤلاء العيال المرتبطين بمصيري تعبث بسفينة عقلي… فما العمل؟ الله وحده هو القادر على إحداث أمرٍ ما. لكنْ، هل أنا مُستقيم مع الله؟”
كتب بن نبي بعض الرسائل واأْتَمَنَ عليها بعض أقاربه وطلب منهم عدم فتحها قبل وفاته لأنه كان على يقينٍ بِقُرب نهايته. ثُمّ أعدّ العُدّة في حجرته كي يشنق نفسه، لكنه تراجع عن قراره تلبية لنداء الوازع الديني، وإشفاقاً على أبيه الضرير المفجوع. وممّا جاء في مذكراته غير المنشورة: “إنّ فكرة الانتحار تطاردني بإلحاح، لكنني لم أكُن أملك حتى سلاحاً، فمسدسي من طراز براونينيغ 1947 Browning كُنتُ قد تركتُه في لوات كليري مع الرصاصة الوحيدة التي كانت فيه. واستعداداً لشنق نفسي قُمْتُ بتثبيت برغي كبير في أعلى النافذة، ثُمّ أعدْتُ تثبيته في أعلى باب الحجرة، ولا شك أنه لا يزال في مكانه إلى الآن. وقد حاولتُ أن أُدْنِيَ الكرسي من مكان المشنقة عشرات المرات، بل مائة مرة، لكن صورة أبي وهو يذرف الدموع أمام جثتي، وصُور زوجتي وأُخْتيَّ المنكوبتين، كلّ ذلك كان مما ثناني عن الانتحار وصرفني عنه. فنقطة ضعفي الأساسية هي الخوف الهستيري من معاناة الغير… وإضافة إلى هذا يجب عليّ أن أعترف بأنّ الوازع الديني ليس هو الذي كان يوقفني لأنني كُنتُ متأكِّداً من أنني أستحق غضب الله، وأستحقُّ رحمته كذلك”. وفي موقف آخر عزم على تناول مُنوِّمات كان قد حصل على كمية كبيرة منها بوساطة الدكتور خالدي. وكان ذلك في شهر أوت 1951.
وفي ذلك الشهر قررت أحزاب التيار الوطني أن تجتمع في “جبهة واحدة” بعد هزائمها النكراء في الانتخابات. وقد كتب المؤرخ أحمد محصاص الذي كان عضواً في “حزب الشعب” يقول: “إنّ تشكيل تلك الجبهة التي ترمي إلى أهداف مُحددة جداًّ يكشف عن حقيقة أنّ كلّ الأحزاب الجزائرية لم تعُد صاحبة المبادرة على الساحة. فلقد تمكنت الإدارة الفرنسية من الهيمنة على الساحة السياسية، وتقهقرت تلك الأحزاب لتكتفي بالدفاع الذاتي عن نفسها. وهذا يدُلّ بوضوح على المستوى المتدنّي الذي وصل إليه حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الذي كان أقوى حزب، وكان يتحدّى كل التحالفات السياسية والقمع، حتى أصبح الآن يقبل بالتحالف… لقد صرنا في أبعد ما نكون عن ذلك الزمن الذي كُنا نستعد فيه ( لهجوم شاملٍ من أجل تحرير الوطن الجزائري…” (5)
عاد بن نبي في شهر سبتمبر إلى لوات كليري، وباشَرَ رفقة زوجته وبمساعدة بعض الجيران بناء بيت صغير ليُقيما فيه. وفي مذكراته ما يدُلُّ على أنه كان متعاطفاً مع زوجته التي كانت تُعاني في صمت، إذ يقول: “إني أرى زوجتي التعيسة التي أثْقَلْتُ كاهِلَها بمعاركي ضد الاستعمار، زوجتي التعيسة التي كان بإمكانها أنْ تُسْعِدَ وتُشرِّفَ بيتاً من تلك البيوت البورجوازية، وتَسْعَدَ بحياتها رغم مُعاناتها من أزمات حادة يُسببها لها مرض مزمن في المفاصل لمْ يكُنْ بمقدوري أنْ أعالجه. وأنا نفسي أشعر بالسعادة وأنا أراها سعيدة بشكلٍ يُثير العطف”. وكان يُغطي التكاليف الضرورية لحياة عائلته من المبالغ الزهيدة التي كان يُرسلها له محمد الصالح بن شيكو، وهو رجل أعمال صناعية في قسنطينة، وصالح بن ساعي والدكتور خالدي.
وتشهد إحدى الرسائل التي أرسل له بها الدكتور خالدي بتاريخ 1951، والتي عُثِرَ عليها في أرشيفه، على تلك الظروف الفظيعة التي كان يمرّ بها. فلقد أرسل له الدكتور مبلغ 10.000 فرنك قبل أن يُفكّر في إرسال فلس واحد إلى عائلته، وهو يقول له: “فعلْتُ ذلك وأنا أشعر برأفة شديدة تُجاهك وتُجاهي كذلك لأني أشعر بأني لم أقُمْ بواجبي كاملاً، إذ كان عليّ أنْ ألتزم بالانتظام في مساعداتي وأن تكون تلك المساعدات أكثر سخاءً. فهذا البلد مُتنكِّرٌ لأمثالنا، وليس فيه مكانٌ إلاّ للأوغاد”.
وتبعاً للمقال الذي نشره في جريدة “l’Effort algérien” الكاثوليكية في شهر نوفمبر راحت الشرطة تُراقبه عن كثب حتى أنه شعر بقُرب اعتقاله. والمُلاحظ أنّ بن نبي توقّف فجأةً عن تسجيل هذه الأحداث بتاريخ 24 فيفري 1952، ولم يُواصل سرده إلاّ عاماً بعد ذلك.
وفي شهر ماي قرر مصالي أن يقوم بجولة من التجمعات عبر مختلف مناطق الجزائر، وهذا رغم معارضة اللجنة المركزية لتلك الفكرة. وفي تجمّعٍ نظمه في مدينة الشلف (بالغرب الجزائري) حدثت مُصادمات بين الجماهير والشرطة، ممّا أدّى إلى توقيفه ونقله إلى فرنسا، ولن يرى الجزائر بعدها حتى وفاته. وقد عمل في تلك المرحلة على إعادة بعث علاقاته مع بعض وجوه التيار التروتسكي، ومن بينهم بيار لامبير Pierre Lambert.
وحسب ما جاء على لسان أحمد محصاص، فإنّ “الجناح المعتدل في قيادة الحزب كان مُرتاحاً لتفكيك ”المنظمة الخاصة” L’OS ولنفي مصالي، إذ شرع في الاستعداد لخوض غمار الانتخابات المحلّية التي كان من المزمع تنظيمها في شهر أفريل سنة 1953 ” وهي الانتخابات التي انتُخِبَ فيها على كلٍّ مِنْ حسين لحْوَل، وعبد الرحمن كيوان، وسيد علي عبد الحميد في بلدية الجزائر العاصمة كنواب لجاك شوفاليي Jacques Chevallier.
(يتبع)
المراجع:
1- نعتقد أنها كانت مُعدّةً للنشر بالعربية في كتاب “شروط النهضة”. ومن جهة أخرى نجد أن جزءا من هذه المقدمة قد ورد في القسم الثالث من كتاب “النزعة الأفروآسيوية”، حيث ذكر ذلك “الزائر السماوي”.
2- يقصد بن نبي زعماء الحركة الوطنية.
3- ”عشية حضارة إنسانية 2؟” A la veille d’une civilisation humaine ? )، جريدة La République Algérienne بتاريخ 13 أفريل 1951.
4- (“عشية حضارة إنسانية 3؟” A la veille d’une civilisation humaine )، جريدة La République Algérienne بتاريخ 01 جوان 1951. عاد حمودة بن ساعي إلى بعض ذكريات الثلاثينيات وسجّل ما يلي في قصاصته: “تحدث العالِم المُعرّب لويس ماسينيون يوماً عن “التجديد” و”التجدُّد” في الكوليج دو فرانس، وكان إلحاحُهُ على الثاني. ولقد فاتحْتُ الشيخ ابن باديس حول هذا الموضوع فأجابني رافعاً ذراعيه: “نعمْ للتجديد، لا للتجدُّد”.
5- المرجع المذكور سابقا
