Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (21)‏

حياة مالك بن نبي (21)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

بتاريخ 10 جانفي 1951 أنهى بن نبي تحرير مُقدمة في ثماني صفحات دون أنْ يذكُر الكتاب الذي ‏خصصها له (1). والحقيقة أنّ هذا النص لا يقبل التلخيص، بل يُقرأ كاملاً. وهو يبدأ بما يشبه رسالة، ‏لكنه جاء تحت عنوان مُثير للعجب، وهو: ‏
‎ ‎
أيها القارىء المُسلم، يا أخي ويا عدوِّي ‏‎!‎

‏” أنا مُلِحٌّ على أنْ أقدّم لك هذا المنشور بنفسي. فأنا أريد أنْ أُحدِّثك، وأن أقول لك أشياء خطيرة، بل ‏أخطر الأشياء التي قيلت لك. في منشور سابق، كان الحياء هو الذي ثناني عن ذلك لأني لم أكن أريد أن ‏أقول لك ببعض الأشياء كي أُسمعك إياها. أمّا في هذا المقام فإني أريد أن أُسمِعك إياها بوضوح لأن ‏تدليس وجهل سُرَّاق الشهرة (2) لا يزالان مُسيطريْن على عقلك. أنت تُمثِّلُ عندهم جزءا من السلطة ‏التي يريدون المحافظة عليها. ولذلك كان عليّ أن أبدأ بالتنديد بعجزك على إفشال أفخاخهم وعلى ‏الإحساس بأخطائك. أنا أريدُ أنْ أُعلِّمك كيف تطرح عليهم أسئلة، وأن تتساءل بينك وبين نفسك، لكي ‏تتفادى أفخاخهم وأخطاءك أنت. فلنبدأ من البداية. ‏

وتلك البداية هي الالتباس الذي أنت فيه، وهو عجزك عن الرؤية الواضحة. إنك تحس بدائك تمام ‏الإحساس، لكن كيف سمّيتَه؟ فبدلاً من فحص دائك، ومِن طرح تساؤلات مِن قبيل” لماذا أنا مُسْتَعْمَر؟” ‏بدلا من ذلك اكتفيتَ بالإنصات إلى الأصوات الناعقة في المعرض. ثُمّ صرختَ بأعلى صوتك، مثلك ‏مثل سُرّاق الشهرة والقطيع التعيس الذي يستغلونه “ليسقط الاستعمار ‏‎ ‎‏”‏‎!‎‏ ، ثُمّ عُدْتَ إلى الإنصات ثانيةً ‏إلى صُراخات المعرض. وأردْتَ بدورك أن تُسمي داءك… لا تُنْصِتْ إليّ، بل انتبه إليّ كي تفهم ‏الأشياء. ‏

عليك ببذل مجهود بخيالك كي تُتابعني بخطى عملاقة. اتْبعْني إلى سان فرانسيسكوSan Francisco‏. ‏وانظر بعينيك وذكائك وليس بأذنيك. إنّ هذه المدينة ومظاهر الحياة التي تراها فيها هي من عمل ذلك ‏الإنسان الذي تراه هنا مُنكباًّ على عمله، فهو يعمل… لكن ماذا يعني، بتعبير تحليلي وعناصر أساسية، ‏ذلك الفعل الذي يُغيّر به الإنسان الطبيعة ويتغيّر هو نفسه؟ ماذا تعني هذه الكلمة التي تعني التعب وعرق ‏الجبين من جهة، وتعني الشرط الأساسي للعيش الرغيد، وكذا الأمان والقوة من جهة أخرى؟ هذا هو ‏اللّغز الذي أريد أن أبدأ بكشفه لك. ‏

ماذا يفعل الإنسان الذي يعمل ويوجِدُ ظروف عيشه بكدّه؟ إنه في الأساس يقوم بتركيبة متكونة من ‏الإنسان والأرض والزمن… والآن، وقد اطّلعْتَ على سرٍّ عظيم، بإمكاننا أن نواصل طريقنا بخطى ‏عملاقة. لا شكّ أنك مررْتَ على نيويورك‎ New York ‎، وتأمّلت كذلك في لندن وباريس، وعرّجْتَ ‏على بروكسل وزوريخ وروما، ووصلتَ إلى فرسوفيا، ثُمّ ذهبت إلى أبعد حدٍّ، إلى موسكو، بل إلى ‏طوكيو كذلك. فماذا رأيْت؟ هل لاحظْتَ تغيُّراً جذرياًّ في مظاهر الحياة عبر محطات رحلتك، إنْ كُنتَ ‏فاتحاً عينيك أثناءها ؟ لا شكّ أنك رأيت في كل مكانٍ نفس الأنشطة ونفس الصّروح ونفس الطرق ‏والمصانع والورشات والآلات، ونفس المدارس والمخابر.‏

كما أنك رأيتَ أيضاً أنّ ظروف حياة الإنسان مؤسسة على تلك الأشياء. لكنْ، كيف تُسمّى تلك الأشياء في ‏التاريخ، كيف تُسمّى تلك التركيبة المتكونة من الإنسان والأرض والزمن، والتي لاحظْتَها من سان ‏فرانسيسكو إلى موسكو؟ إنك تعرف ذلك جيِّداً لأنك أنت بنفسك عندما تريدُ أن تُسمي الأشياء بأسمائها ‏فإنك تقول “الحضارة الغربية”. والآن علينا أنْ نُواصل مشوارنا في اتجاهٍ آخر.‏

وسننطلق من طنجةTanger ‎‏ لنقطع الشمال الإفريقيّ، ثُمّ نسير عبر رمال الساحل الليبي، ونمرّ على ‏النيل وقناة السويس، لنزور بلدان الشرق الأوسط، ثُمّ نغوص في الأراضي الإسلامية بالهند حتى نصل ‏إلى جافاJava (Indonésie)‎‏. فماذا نرى خلال تلك الرحلة؟ ماذا نرى غير نفس مظاهر الحياة ‏الأساسية، أي: نفس الجمود، ونفس الفقر والجهل، ونفس النُّعاس؟ فكيف يُسمّى هذا المجال الذي يسود ‏فيه السكون؟ أوليس هو مجال الحضارة الإسلامية؟ ولا شك أنك تعرف هذا أيضاً. لكن لا تتسرّع بطرح ‏أسئلتك عليّ الآن. ‏

وبُغية الخروج بخلاصة عامة علينا أنْ نُتمِّمَ جولتنا. فبعْدَ هذا المشوار عبر المكان لنبدأ مشوارنا الآخر ‏عبر الزمان. ولو رجعنا إلى الخلف بمقدار ألفية من الزمن لوجدنا أنّ المجال الإسلامي كان يمتدّ من ‏سمرقندSmarkand‏ إلى قرطبةCordoue ‎، والمجال الغربي يمتد من لندن إلى موسكو. لكن على ‏طول المسافة الممتدة من قرطبة إلى سمرقند كانت هنالك ورشة يشتغل فيها مفكرون وعلماء وفقهاء ‏وفنانون وحِرفيون… إنه المجال الذي كان فيه الإنسان يُحقق تلك التركيبة الحضارية الإسلامية. بينما ‏كان المجال الآخر الممتد من لندن إلى موسكو غارقاً في الحياة الإقطاعية التي يعيش فيها الإنسان “كخادمٍ ‏يُنْهش ويُمتهنُ إلى أقصى حدّ” ‏‎« Taillable et corvéable à merci »‎‏.‏

مارأيُك الآن في أن نقوم بقفزةٍ إلى الأمام، مسافتها ألف عام في التاريخ؟ فلا داعي إذاً إلى مُساءلتي عن ‏المستقبل، فأنا لا أعرف عنه شيئاً. لكنني أقول لك ما قال علاَّمُ الغيوب: ” وتلك الأيامُ نُداولها بين ‏الناس”. والآن، وقد أتممْنا رحلتنا، فالأحسن أن نُحاول الخروج بخلاصة. ‏

لقد أتُيح لك أن تلاحظ بأمِّ عينك أنّ ظروف حياة الإنسان ليست مرهونة بمعطيات عرقية أو لغوية أو ‏سياسية أو جغرافية. وبالفعل فهناك عدة لغات من سان فرانسيسكو إلى موسكو، وهناك أجناس مختلفة، ‏وأنظمة سياسية وأنواع مختلفة من المناخ. لكنك لاحظت نفس ظروف الحياة الناتجة عن نفس الكدّ ونفس ‏التركيبة. كما لاحظت أنّ تلك الظروف مرتبطة بالمعطيات العامة التي تخُصُّ مجالاً ما، وأنها لا تتنوّع ‏تنوّعاً كبيراً من إطار مؤسساتي إلى آخر. وفي كلمة واحدة، إنك لاحظْتَ أن مصير الإنسان يحمل بصمة ‏عميقة من حضارته، وأنه يعلو وينزل بعلوّها أو نزولها. ‏

تلك هي الخلاصة الأساسية التي أدعوك إلى أن تقف عندها من هذه الرحلة عبر الزمان والمكان، أو عبر ‏التاريخ. وتلك الخلاصة جوهرية لأنها تُمثِّلُ مقياساً ومنهجية. فهي مقياس يُمكِّنُك من الإقلاع عن غلطك ‏والإفلات من الفِخاخ التي يمكن أنْ تُنصَبَ لك من أجل منعك من تبيُّنِ الزُّور والتمييز بين” الوطنية” و” ‏الخيانة”. فأنت تعرف الآن أن كلّ ما لا يُساعدُ على تحقيق التركيبة بين الإنسان والأرض والزمن هو ‏زور في التاريخ، وهو بالتالي زور في الحياة اليومية. ‏

وتلك الخُلاصة هي كذلك منهجية لأنّها إذْ تُلْهِمُ فلسفتك الاجتماعية، فهي تُعطي جهدك فاعليته القصوى، ‏وتُعطي حياتك وجهةَ سهمٍ مُوجّهٍ نحو حضارة، وبمعنى آخر- وهذا لا يخفى عليك – نحو الوضع ‏الإنساني الوحيد الذي يمكن تحقيقه. والآن، وقد صار هذا المقياس وتلك المنهجية في متناولك ـ وسأعمل ‏على تعميق هذين المفهومين لصالحك في هذه الدراسة ـ بوُدِّي أنْ أدفعك إلى التفكير في غلطاتك ‏وأوهامك.‏

إنّ مُشكلتك تُموّهُ منذ البدءِ عندما تُطلِق عليها اسماً يحُدُّها بحدود ويضع على ناظِريك واقيين جلديين ‏يمنعانك من الرؤية الجانبية. وهذا بالذات هو خطؤك عندما تتكلم عن “مشكلة جزائرية” أو “مشكلة ‏يمَنية”، مع أنك تعرف أنّ الداء واحد من طنجة إلى جافا. أيحِقُّ لك أن تُسمّي الطاعون بأسماء مختلفة ‏كأنْ تُسميه “حُمّى” هنا، و “زكام” هناك أو غير ذلك من التسميات؟ أنت تعرف أنّ العلاج ينجم عن ‏التشخيص، فلو كان أحدُهما خاطئاً فالآخر يكون بالضرورة خاطئا. وأنت ترى العلامة أيضاً، لكنك لا ‏ترى معناها. ‏

فيا أخي، إنّ الصليب في بلدٍ مسيحيٍّ، بالإضافة إلى كونه رمزاً للمسيحية، فهو علامةٌ تدلّ على المقابر ‏كذلك. إنه صولجان الموت. وكذلك فإنّ الاستعمار في بلدٍ مُستعمَرٍ عبارة عن صولجان للقابلية للاستعمار. ‏ومع ذلك فإنني لم أسمعك تتحدث أبداً عن قابليتك للاستعمار، بل تكتفي بالحديث عن الاستعمار. إنك لا ‏تقول “لماذا أنا مُستعمَر”، بل تكتفي بقولك ” أنا مُستعمَر”. وأنت لا تتحدث عن “واجباتك”، بل تكتفي ‏بالحديث عن “حقوقك”.‏

أنا أعرف أنّ موقفك العقيم ناجم عن مقياس وعن منهجية. فأنت تُنصِتُ إلى أخطائك وأكاذيبهم. ذلك أنّ” ‏سارقي الشّهرة” يكذبون عليك، إذ لا يهمّهم أن يُنيروا طريقك، بل يريدون أن يبهروك، وأنْ يخدموك ‏مُقابل أن يستخدموك للحفاظ على جزء من السلطة. ومع ذلك فمِن الواضح أنّ القضاء على النبتة السّامّة ‏يتطلب إصابتها في برعمها بدءاً من الجذور. والحال أنّ جذور الاستعمار هي القابلية للاستعمار. فالبلد ‏الذي شعبُهُ غير قابل للاستعمار لا يمكن للاستعمار أنْ يُقيم على أرضه.‏

إن الشعب الألماني ليس مُستعمراً في الحاضر مع أنّ الأراضي الألمانية مُحتلّة. فلا يمكن للاستعمار أن ‏يغرس صولجانه إلاّ حيثُ توجد مقبرة تثوي فيها حضارة، وبتعبير آخر، الإنسان القابل للاستعمار. وها ‏أنت ذا قادر على الفهم، وباستطاعتي أن أكشف لك عن سرٍّ آخر. فبين القابلية للاستعمار والاستعمار ‏توجد مُعاهدة: فهُما كذلك يتصافحان في المعرض الذي يبيع فيه “سارقو الشهرة” مصيرك ومصيرنا. ‏والاستعمار يعرف أن صُراخات المعرض ليست من “الوطنية” في شيء، وهي ليست بالسياسة ولا ‏الثقافة، بل هي خيانة، وهي “بوليتيك” وتخريف وسِحر ووهم وإيهام. فكلّ ما لا يُؤدي إلى تركيبة ‏الإنسان مع الأرض والزمن ليس شيئاً يُذكر في التاريخ. ‏
لكنْ، لك عليّ بعض الإيضاح، لأنّي مُتمسك بمبدإ ألاّ أتركك تسمع الأشياء، بل أريد إسماعك إياها. قد ‏تتوهّم أنّ المشكلة تكاد تكون محلولة باعتبار أنّ في العالم الإسلامي، كغيره من العوالم الأخرى، هناك ‏إنسان قادر على إنجاز تركيبة الحضارة الإسلامية، ولا ينقصُهُ إلاّ تحديد هدفه في التاريخ. ‏

لكنْ، إنْ كُنتَ قد توهَمت هذا فقد غاب عنك معنى هذه الدراسة منذ السطر الأول، وقد خطوْتَ معي ‏خطوتك الأولى في الطريق الخاطىء. ولهذا فإني أقول لك يا أخي أني لا أتكلم عن الإنسان الذي ‏أجهضته حضارة، أو عن “الأنديجان” القابل للاستعمار والخاضع للاستعمار بدرجات متفاوتة من طنجة ‏إلى جافا، بل أتحدث عن الإنسان الذي عليه أنْ يُنتِج حضارة. وهذا هو هدفي المقصود عندما طرحتُ ‏في هذه الدراسة مسألة الإنسان وعرّفتُ بالثقافة القادرة على إيجاده.‏

لكن الثابت أنّ هذا المُبدِع لا يُخلَقُ في المعرض الذي يُثرثر فيه “سُرّاق الشهرة”، أولئك العمال الدجالون ‏والمُبدعون الدجالون. ولو تساءلنا: ماذا يقولون؟ ماذا يقول ذلك الذي يقضي أغلب وقته في توظيبُ ‏عمامته وتنقيح لغته؟ إنه عبارة عن شبح آتٍ من الماضي، وكأنه بُعث بعد أن عاش في زمن هارون ‏الرشيد. وهو يستشهد بعبارات جميلة لابن النظيم، أو بالنثر الفنّي للحريري، وبقوافي المتنبي المُدوِّية، ‏ويعتبر كل ذلك من الحُجج الدامغة. وأنت مُندهش ومسحور بتلك الكلمات، لا تجد مناصاً من التعبير عن ‏موافقتك بحركات رأسك وقد ارتويْتَ من فصاحة ذلك الداعي إلى الذكريات. ‏

وماذا يقول ذلك الذي يعمد إلى رسم التقطيبة المناسبة لهذا اليوم المشهود، تقطيبته الانتخابية، وهذا دون ‏أن يغفل رمشة عين عن ربطة عنقه؟ إنه داعية الحاجيات الجديدة. وهو يريد أنْ يُقنعك بالاستشهاد ‏بفيكتور هيجو أو فولتير، وأنت مستمر بتحريك رأسك تعبيراً عن الرضا… لكنني أرى في أعماقك تردداً ‏وحيرة: فأنت تحلم تارة بمظاهر الترف في ألف ليلة وليلة، وبسيارة فخمة وأريكة مُريحة تارة أخرى، ‏إنك تحلم يا أخي، وإنهم يدفعونك إلى الاستمرار في حلمك، لكن الحضارة ليست متحفاً لذكريات قديمة، ‏ولا بازاراً للأشياء الجديدة. إنها ورشة، أو مصنع، أو مخبر يُحقق فيه الإنسان وجوده بإنجاز التركيبة ‏الأساسية بين قدرته وبين الأرض والزمن. وهي كذلك معبد باستطاعة الإنسان ـ إذا أراد أن يتنفس ‏ويستلهم ـ أن يرفع رأسه فوق عمله ويكتشف لانهائية الله الذي يُلهم عبقريته ويُجدد عزمه. إنه معبد يكون ‏الجهل فيه متحفظاً ومُستحْيِياً مثل علامة الاستفهام. فلا بُدّ من تطهير المعبد من الجهل الثرثار والجهل ‏التوسّعي الذي ينتشر بوقاحة وبدون أي حياء وكأنه علامة تعجب”.‏
‎ ‎
‏ ‏‎°°°‎
وبتاريخ 22 جانفي 1951 حرّر بن نبي “رسالة مفتوحة إلى برتراند روسل” ‏Bertrand Russel ‎، ‏وقد عثرْتُ على مخطوطتها في أرشيفه، وليس هناك ما يسمح بمعرفة ما إذا كانت قد نُشِرَتْ أمْ لم تُنشر. ‏وكان ضغط الإدارة الاستعمارية يزداد ضراوةً عليه، لكن ذلك لم يمنعه من تحرير مقال يدعو فيه إلى ‏المقارنة بين ميزانية الشرطة في الجزائر وبين ميزانية تعليم الأنديجان (3). فكان عُرضةً لِمُلاحقة ‏مفضوحة من رجال الشرطة في كل مكان يحلّ فيه. والأدهى من هذا كله أنّه لم يَعُدْ لديه ما يسُدُّ به رمقه. ‏وبعد ذلك المقال نشر مقالاً آخر ذكر فيه “الأستاذ العظيم ماسنيون الذي يعود له الفضل في التمييز بين ‏التجديد والتّجدُّد”، وبعد ذلك ببضعة أسطر راح يُبيِّنُ أنّ “التجديد لا يؤدي إلى إيجاد إنسان جديد، بل إلى ‏وجه جديد للإنسان القديم” (4).‏

ولا يخفى ما بين محتوى كتاباته وبين حالته المعنوية من تضاربٍ وتناقض. فقد كانت تلك الفترة من ‏أحلك المراحل عليه، حتى أنه بدأ يُفكِّرُ في وضع حدٍّ لحياته بدليل ما كتبه في مذكراته: “كُنتُ مُنتحراً من ‏الناحية النفسية”.‏

وفي نص غير منشور كتبه في تلك الفترة التي تُذكرنا بقصيدة حمودة بن ساعي المؤلفة سنة 1936، لم ‏يَقْوَ بن نبي على إخفاء ما في نفسه من انهيار وفقدان أمل، إذ يقول: “إنّ ما يُثير حيرتي هو بزوغ ‏تباشير مشروع أفتكُّه جزءاً جزءاً في مسيرتي التي لا تخرج من هوّةٍ حتى تسقط في أخرى، ولا تنجو ‏من سديمٍ حتى تقع في سديم آخر، ولا تصحو من دوار حتى يستولي عليها دوار آخر. وهو مشروع ‏يُحافظ لي على شعلة الأمل، إلاّ أنّ العاصفة قوية وأملي هشّ وضعيف ‏‎!‎‏ وإنّ مأساة هؤلاء العيال ‏المرتبطين بمصيري تعبث بسفينة عقلي… فما العمل؟ الله وحده هو القادر على إحداث أمرٍ ما. لكنْ، هل ‏أنا مُستقيم مع الله؟”‏

كتب بن نبي بعض الرسائل واأْتَمَنَ عليها بعض أقاربه وطلب منهم عدم فتحها قبل وفاته لأنه كان على ‏يقينٍ بِقُرب نهايته. ثُمّ أعدّ العُدّة في حجرته كي يشنق نفسه، لكنه تراجع عن قراره تلبية لنداء الوازع ‏الديني، وإشفاقاً على أبيه الضرير المفجوع. وممّا جاء في مذكراته غير المنشورة: “إنّ فكرة الانتحار ‏تطاردني بإلحاح، لكنني لم أكُن أملك حتى سلاحاً، فمسدسي من طراز براونينيغ 1947 ‏Browning‏ ‏كُنتُ قد تركتُه في لوات كليري مع الرصاصة الوحيدة التي كانت فيه. واستعداداً لشنق نفسي قُمْتُ ‏بتثبيت برغي كبير في أعلى النافذة، ثُمّ أعدْتُ تثبيته في أعلى باب الحجرة، ولا شك أنه لا يزال في ‏مكانه إلى الآن. وقد حاولتُ أن أُدْنِيَ الكرسي من مكان المشنقة عشرات المرات، بل مائة مرة، لكن ‏صورة أبي وهو يذرف الدموع أمام جثتي، وصُور زوجتي وأُخْتيَّ المنكوبتين، كلّ ذلك كان مما ثناني ‏عن الانتحار وصرفني عنه. فنقطة ضعفي الأساسية هي الخوف الهستيري من معاناة الغير… وإضافة ‏إلى هذا يجب عليّ أن أعترف بأنّ الوازع الديني ليس هو الذي كان يوقفني لأنني كُنتُ متأكِّداً من أنني ‏أستحق غضب الله، وأستحقُّ رحمته كذلك”. وفي موقف آخر عزم على تناول مُنوِّمات كان قد حصل ‏على كمية كبيرة منها بوساطة الدكتور خالدي. وكان ذلك في شهر أوت 1951. ‏

وفي ذلك الشهر قررت أحزاب التيار الوطني أن تجتمع في “جبهة واحدة” بعد هزائمها النكراء في ‏الانتخابات. وقد كتب المؤرخ أحمد محصاص الذي كان عضواً في “حزب الشعب” يقول: “إنّ تشكيل ‏تلك الجبهة التي ترمي إلى أهداف مُحددة جداًّ يكشف عن حقيقة أنّ كلّ الأحزاب الجزائرية لم تعُد ‏صاحبة المبادرة على الساحة. فلقد تمكنت الإدارة الفرنسية من الهيمنة على الساحة السياسية، وتقهقرت ‏تلك الأحزاب لتكتفي بالدفاع الذاتي عن نفسها. وهذا يدُلّ بوضوح على المستوى المتدنّي الذي وصل إليه ‏حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الذي كان أقوى حزب، وكان يتحدّى كل التحالفات السياسية ‏والقمع، حتى أصبح الآن يقبل بالتحالف… لقد صرنا في أبعد ما نكون عن ذلك الزمن الذي كُنا نستعد فيه ‏‏( لهجوم شاملٍ من أجل تحرير الوطن الجزائري…” (5)‏

عاد بن نبي في شهر سبتمبر إلى لوات كليري، وباشَرَ رفقة زوجته وبمساعدة بعض الجيران بناء بيت ‏صغير ليُقيما فيه. وفي مذكراته ما يدُلُّ على أنه كان متعاطفاً مع زوجته التي كانت تُعاني في صمت، إذ ‏يقول: “إني أرى زوجتي التعيسة التي أثْقَلْتُ كاهِلَها بمعاركي ضد الاستعمار، زوجتي التعيسة التي كان ‏بإمكانها أنْ تُسْعِدَ وتُشرِّفَ بيتاً من تلك البيوت البورجوازية، وتَسْعَدَ بحياتها رغم مُعاناتها من أزمات ‏حادة يُسببها لها مرض مزمن في المفاصل لمْ يكُنْ بمقدوري أنْ أعالجه. وأنا نفسي أشعر بالسعادة وأنا ‏أراها سعيدة بشكلٍ يُثير العطف”. وكان يُغطي التكاليف الضرورية لحياة عائلته من المبالغ الزهيدة التي ‏كان يُرسلها له محمد الصالح بن شيكو، وهو رجل أعمال صناعية في قسنطينة، وصالح بن ساعي ‏والدكتور خالدي. ‏

وتشهد إحدى الرسائل التي أرسل له بها الدكتور خالدي‎ ‎بتاريخ 1951، والتي عُثِرَ عليها في أرشيفه، ‏على تلك الظروف الفظيعة التي كان يمرّ بها. فلقد أرسل له الدكتور مبلغ 10.000 فرنك قبل أن يُفكّر ‏في إرسال فلس واحد إلى عائلته، وهو يقول له: “فعلْتُ ذلك وأنا أشعر برأفة شديدة تُجاهك وتُجاهي ‏كذلك لأني أشعر بأني لم أقُمْ بواجبي كاملاً، إذ كان عليّ أنْ ألتزم بالانتظام في مساعداتي وأن تكون تلك ‏المساعدات أكثر سخاءً. فهذا البلد مُتنكِّرٌ لأمثالنا، وليس فيه مكانٌ إلاّ للأوغاد”. ‏

وتبعاً للمقال الذي نشره في جريدة “‏l’Effort algérien‏”‏‎ ‎‏ الكاثوليكية في شهر نوفمبر راحت الشرطة ‏تُراقبه عن كثب حتى أنه شعر بقُرب اعتقاله. والمُلاحظ أنّ بن نبي توقّف فجأةً عن تسجيل هذه الأحداث ‏بتاريخ 24 فيفري 1952، ولم يُواصل سرده إلاّ عاماً بعد ذلك.‏

وفي شهر ماي قرر مصالي أن يقوم بجولة من التجمعات عبر مختلف مناطق الجزائر، وهذا رغم ‏معارضة اللجنة المركزية لتلك الفكرة. وفي تجمّعٍ نظمه في مدينة الشلف (بالغرب الجزائري) حدثت ‏مُصادمات بين الجماهير والشرطة، ممّا أدّى إلى توقيفه ونقله إلى فرنسا، ولن يرى الجزائر بعدها حتى ‏وفاته. وقد عمل في تلك المرحلة على إعادة بعث علاقاته مع بعض وجوه التيار التروتسكي، ومن بينهم ‏بيار لامبير ‏Pierre Lambert‏. ‏

وحسب ما جاء على لسان أحمد محصاص، فإنّ “الجناح المعتدل في قيادة الحزب كان مُرتاحاً لتفكيك ‏‏”المنظمة الخاصة” ‏L’OS‏ ولنفي مصالي، إذ شرع في الاستعداد لخوض غمار الانتخابات المحلّية التي ‏كان من المزمع تنظيمها في شهر أفريل سنة 1953 ” وهي الانتخابات التي انتُخِبَ فيها على كلٍّ مِنْ ‏حسين لحْوَل، وعبد الرحمن كيوان، وسيد علي عبد الحميد في بلدية الجزائر العاصمة كنواب لجاك ‏شوفاليي ‏Jacques Chevallier‏.‏

‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1-‏ نعتقد أنها كانت مُعدّةً للنشر بالعربية في كتاب “شروط النهضة”. ومن جهة أخرى نجد أن جزءا من هذه المقدمة قد ‏ورد في القسم الثالث من كتاب “النزعة الأفروآسيوية”، حيث ذكر ذلك “الزائر السماوي”.‏
‏2-‏ يقصد بن نبي زعماء الحركة الوطنية.‏
‏3-‏ ‏”عشية حضارة إنسانية 2؟” ‏A la veille d’une civilisation humaine ?‎‏ ‏‎ ‎‏)، جريدة ‏La République ‎Algérienne ‎‏ بتاريخ 13 أفريل 1951.‏
‏4-‏ ‏(“عشية حضارة إنسانية 3؟” ‏A la veille d’une civilisation humaine ‎‏)، جريدة ‏La République Algérienne ‎‏ بتاريخ 01 ‏جوان 1951. عاد حمودة بن ساعي إلى بعض ذكريات الثلاثينيات وسجّل ما يلي في قصاصته: “تحدث العالِم المُعرّب لويس ماسينيون ‏يوماً عن “التجديد” و”التجدُّد” في الكوليج دو فرانس، وكان إلحاحُهُ على الثاني. ولقد فاتحْتُ الشيخ ابن باديس حول هذا الموضوع ‏فأجابني رافعاً ذراعيه: “نعمْ للتجديد، لا للتجدُّد”.‏
‏5-‏ المرجع المذكور سابقا

You may also like

Leave a Comment