Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (4)‏

حياة مالك بن نبي (4)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

صار بن نبي محلّ شكوكٍ عند مدير المدرسة. فلقد شرع يستفسر عن مُطالعاته وقراءاته بطريقة ‏سرّيّة، وبلغ به الأمر أنْ فتّش حتى فراشه الذي كان يُخفي فيه جريدة “‏‎ L’Humanité‏” ثُمّ يُراقبه عن ‏كثب. أمّا السيد بوبريتير ‏M. Bobreiter‏ فلمْ يتوقف عن تزويده بما يقرؤه. فكان يُعيره أعدادا من ‏مجلة “أخبار أدبية” ‏Nouvelles Littéraires)‎‏ تصِلُه من فرنسا، بالإضافة إلى مجلة جيدة تحت ‏عنوان “كونفيرونسيا” (‏Conférencia‏). وكان بن نبي يلْتَهِمُها التهاما.‏
‏ ‏
أتيح له أن يكتشف في أحد أعداد هذه المجلة الأخيرة اسم رابيدرانات طاغور ‏Rabidranath Tagore‏ ‏‏(1861-1941). وكان لذلك الاكتشاف بالغ الأثر فيه لأنه فتح له آفاقاً لم يكن يعرفها. فلقد أدرك ‏وهو في أقصى درجات النشوة أنّ “العبقرية ليست حكراً على ضفاف نهر السين أو التاميز، بل يمكن أن ‏تظهر على ضفاف نهر الغانج”.‏

والفضل كلّه يعود إلى طاغور في اكتساب مالك بن نبي لذلك اليقين الذي يرتاح له كلّ إنسانٍ مُستعمَر: ‏‏”لقد حّررني ذلك اليقين من العبودية التي كانت ولا تزال في بعض الأحيان جاثمة على عقول المثقفين ‏العرب في نظرتهم إلى عبقرية أوروبا وثقافتها…”. بالإضافة إلى ذلك فهذا الفيلسوف الهندي هو الذي ‏أثرى رصيد بن نبي الفكري ببُعْدٍ جديد، وهو الحياة الروحية الهندية. إلاّ أن بن نبي يقول مُعلّقا: “لكن ‏عقلي كان مُزوّداً بقوة راجعةٍ تُعيدُ كلّ ما تقع عليه عيني إلى انشغالي المركزي، وهو الإسلام” ‏‏(م.ش.ق). ‏

في سنة 1922 نشب جدال بين الأمير خالد الذي كان ينشر في جريدة “الإقدام”، وبين رئيس بلدية ‏قسنطينة والنائب ذي النفوذ الكبير إميل مورينو ‏Emile Morinaud‏ الذي كان ينشر في جريدة محلية ‏عنوانها ‏Le Républicain‏. وكان بن نبي يُتابع مُجريات ذلك الجدل الحاد الذي سينتهي بنفي الأمير ‏خالد: “كُنتُ أجد في جريدة الإقدام أول المواضيع السياسية المحددة التي رسخت في عقلي. كانت هذه ‏الجريدة تُندِّدُ بتجريد الفلاح الجزائري من أراضيه، وهي العملية التي بلغتْ مداها في فترةٍ ضاقت فيها ‏الأراضي في الشمال على مزارع الكروم والحوامض والزيتون والتبغ، فراحت تزحف نحو الجنوب، حيث ‏حقول الحبوب”.‏

ولقد شهدت سنة 1922 كذلك الشروع في بناء مسجد باريس الذي ناضل من أجله أمثال الأمير خالد ‏وأحمد رضا وكريستيان شارفيس ‏‎(Christian Cherfils)‎‏. ومع ذلك فإنّ الماريشال ليوتاي ‏Lyautey‏ ‏هو الذي سيُلقي كلمة الافتتاح بمناسبة وضع حجر الأساس لهذا المشروع بتاريخ 2 نوفمبر 1922.‏
‏ ‏
وفي يومٍ من الأيام وقع كتاب ذو عنوان عجيب “الإسلام بين القرش والدّبّ” بين يدي مالك بن نبي، ‏وكان سبباً في تأجيج نار كراهيته للاستعمار (1). وسيتعرّف على كاتبه بعد اثنتي عشرة سنة من ذلك، ‏وهو أجين يونغ ‏Eugène Jung‏ الذي كان في أواخر أيامه وفي حالة من الفقر المُدقع، وهو يُقيم في ‏إحدى غُرَفِ الخَدَم في باريس. ويقول بن نبي في مذكراته: “وليس مُستبعداً أنْ يكون قد دُفِنَ في مقبرة ‏من المقابر الجماعية”‏‎.‎

وكان في قسنطينة قُسّ أنجليكاني اسمه الأب زويمر ‏Zwimmer‏ ينشط لتنصير الشباب المسلم ‏مُستعيناً بِكُتيِّبٍ مِن إنشائه. وفي ذات الوقت أتيح لبن نبي أن يكتشف إيتيان ديني ‏Etienne Dinet‏ ‏‏(1861- 1929) الذي خصّه بمقال بعد ذلك بخمس وأربعين سنة (2) ، كما كان ينوي ذكر أحد ‏الأوروبيين المسلمين، وهو الدكتور جرونيي ‏Dr. Grenier، وهو مندوب فرنسي كان مِن عادته أن ‏يتوضّأ ويُصلّي في معابر نهر السين مُواجهاً تذمّر المارّين الراجلين (3). ‏

كان على مالك بن نبي في نهاية سنته الدراسية الثانية أنْ يجتاز امتحان نهاية السنة. الرسوب يعني ‏الحرمان من المنحة التي هي نظير الحياة بالنسبة إليه. ورغم أنه كان منشغلاً بمطالعاته أكثر من ‏انشغاله بمراجعة الدروس فقد نجح في الامتحان بفضل بعض المجهودات التي بذلها في اللحظات ‏الأخيرة قبل الموعد. ‏

وبعدها عاد إلى تبسة حيث تنتظره عائلته بعد إقدامه على فعلٍ جريءٍ جداًّ، فلقد تخلّى عن لبس ‏السروال التقليدي الذي لا ينزل تحت الركبتين إلاّ بقليل، والذي كان هو اللباس الشائع آنذاك في بلدان ‏الشمال الإفريقيّ كلّها، وارتدى السروال الأوروبيّ. كان ذلك بمثابة “فسوق في الملبس” على حدّ تعبيره، ‏باعتبار أن السروال الأوروبي كان علامة على الكفر في نظر الناس.‏

ومع ذلك فهذا السروال الذي يُعتبر عربياّ والذي لا يزال لباسا شائعاً في بعض مناطق شمال إفريقيا ‏والشرق الأوسط، هو أوروبي الأصل، وبالتحديد من جزيرة كريت. ونستدلّ على هذا بما قاله الرئيس ‏التركيّ الأسبق تورقوت أوزال (4) : فالعثمانيون هم الذين تبنّوه عند غزوهم لجزيرة كريت، ثُمّ تبعتهم ‏بقية البلدان الإسلامية.‏

وفي كتاب “شروط النهضة” الذي أصدره بن نبي سنة 1949 فصلٌ خاصّ بالملبس، ومِنْ أطْرَفِ ما جاء ‏فيه حول هذا الموضوع: “إنّ التوازن في تقاليد المجتمع مرتبط بمجموعة من العوامل المعنوية ‏والمادّية، والملبس مِن بين تلك العوامل. فالبرنوس جزء من موروث المجتمع الذي تغلب على ذهنيته ‏سمتان، وهما التأمّل والمُتعة. فهو زيّ يُناسب الوليّ الصالح كما يناسب الراعي والباشا لأنه يستجيب ‏بصفة كاملة لنوع النشاط الذي تمارسه كلّ فئة. لكنْ، هل يمكن أن أن نتصوّره على كتفي العامل المهنيّ ‏أو عامل المناجم أو الميكانيكيّ؟ والحال أنّ الجزائر بدأت تسلك طريق البروليتاريا والنهج التايلوري ‏لتُماشيَ مسيرة الحياة العصرية. فالإنسان إذا تحوّل إلى مهنة جديدة كان عليه بالضرورة أن يُغيِّر ملبسه. ‏فعندما وقف القبطان بيري ‏Commodore Perry‏ على أبواب اليابان سنة 1864 أدرك اليابانيون أنّ ‏عليهم أن يتخلّوا عن الكيمونو ويرتدوا بذلة العُمال الزرقاء.‏

لكنّ الملبس ليس مجرّد شرط ماديّ في توازن التقاليد. فللملبس روح: إنه يدلّ على هوية صاحبه (على ‏عكس ما تدلّ عليه الحكمة الفرنسية القائلة:” اللباس لا يصنع الراهب” (‏L’habit ne fait pas le ‎moine‏). فعندما فرض مصطفى كمال ارتداء القبّعة في تركيا سخر منه كثير ممّن كان يتّهمه بالتفكير ‏السطحيّ. غير أنّ هذا الرجل لم يتأثر بقهقهة السّاخرين الذين ملؤوا الآفاق بضحكاتهم. ذلك انه كان ‏يعرف أنّ الشاش جزء من الروح التركية القديمة: روح المستهترين الذّكور، ومُدخني النرجيلة، وهُواة ‏النسيان أو التناسي. فكان لا بُدّ من القطيعة مع الجمود والركود في مجتمع مُتسمِّر في أحلامه القديمة ‏على ضفاف نهر البوسفور.كانت القبّعة هي القنبلة التي زعزعت توازن التقاليد في تركيا، وهي القنبلة ‏التي فجّرت الحُلم، ومزّقت آفاق الوهم، وطردت دخان النرجيلة من الهواء، وطوتْ حصائر التكاسل، ‏وأبعدت الأفكار الميّتة والأفكار المُميتة. ذلك هو جوهر فكر كمال اتاتورك… فالملبس إذا تعفّر بأدران ‏الانحطاط كان كالبذلة التي عليها آثار الهزيمة.‏

عندما ترجم أحد المستشرقين آثار المؤرخ وعالم الاجتماع العربي أبي فضة، والذي درس تقاليد القبائل ‏السلافية العائشة على ضفاف نهر الفولقا، كانت له هذه الملاحظة: “كان العرب يحبّون الظهور ‏بشيشانهم في كلّ مكان”. قد تكون هذه الملاحظة صحيحة. لكن، لو فرضنا أنّ أبا فضة عاد إلى الحياة ‏في عالمنا اليوم، فهل يُعقل أنْ يُظهِرَ شاشه الذي فَقَدَ هيبته على ضفاف نهر الفولقا مثلما كانت أجيال ‏الأمّيين ترتدي قبعة الحمار؟ وهل بقي الطربوش بقيمته القديمة بعد أنْ عفّرت صورتَهُ أجيال من ‏الباشوات والشاويشات ؟ فمِن السذاجة تجاهل مشكلة الملبس التي تطرحها النهضة الجزائرية، والتي ‏يجب أن تُعالج عند الرجل وعند المرأة على السّواء…”.‏

وسيعود مالك بن نبي إلى هذه المسألة في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” ‏L’Afro-Asiatisme)‎‏ الصادر ‏سنة 1956 (5)، فهي تمثِّلُ في نظره ما يجده العالم الإسلامي من حرج إزاء التغييرات المطلوب ‏إجراؤها. وقد يتخذ ذلك الحرج صورة تبعية عمياء حيناً، أو صورة تمظهرٍ ساذج بالتّفرّد أو التميّز حيناً ‏آخر، لكنه في كلتا الحالتين يطرح مشكلة الخيار والانسجام. فالسؤال المطروح هو: ما هو النموذج ‏الذي ينبغي الأخذ به؟

ففي حديثه عن النموذج الغربي يقول بن نبي: “إذا كان النموذج يرتدي قبّعة، ففضائل هذا النموذج ‏وقيَمه لا تكمن في القبعة، ومِن العبث استعارتها منه بالتقليد الأعمى، كما أنه من العبث إشهار ‏الطربوش الأحمر لمواجهة القبعة في سذاجة قاتلة بذريعة إظهار التميُّز… يجب أن نتجاوز هذه ‏الذهنية الصبيانية التي تُثقِلُ كاهل المجتمع الإسلاميّ بتفاصيل غير منتظرة أو ممجوجة أحياناً. ومثال ‏ذلك أنّك إذا رأيت بعض موظّفي عاصمة من العواصم العربية في مصلحة من مصالح الإدارة يرتدون ‏قبعة وبعضهم الآخر لا يزالون مُتمظهرين بالطربوش، فاعرف أنّنا في مجتمع لم يحسم أمْره بشكل ‏واضح. و ليس ما يوضع على الرأس هو المُهِمّ في هذه الحالة، لكن المُهِمّ هو ما تُخفيه مِن روح ‏صبيانية. ‏

ولو أجْمَلْنا القول فيما يتعلق بهذه الاعتبارات الخاصة بالمرحلة التي يمرّ بها العالم الإسلاميّ أمْكن لنا أنْ ‏نُلاحظ مدى رفضه واستهتاره بأيّ مجهودٍ في اتّجاه التنظيم، وكأنه لا يُريدُ الخضوع لانضباط ‏القواعد، أي للمبدإ الأساسي لأية حضارة، وما الحضارة في جوهرها إلاّ نوعٍ مِن الخضوع الذي يرفض ‏كلّ أشكال البداوة، وعلى رأسها البداوة الفكرية. إنّ البدوي هائم على وجهه، غير متيقّنٍ من الغاية التي ‏يسعى إليها، ولا مِن السبيل التي يسلكها. فعقله عاجز عن الخضوع لأية عقيدة تفرض عليه هدفاً ‏وسبيلاً مُعيّنة. وهذا ما أدّى إلى أنّ العالم الإسلاميّ وقع اختياره ـ ضمنياًّ ـ على النموذج الغربي مع جهله ‏شبه التام بهذا النموذج ومحاسنه الحقيقية وقيَمه العُليا”.‏

و لا بُدّ أن نقول إنّ مشكلة الملبس في العالم الإسلاميّ اليوم مطروحةٌ مُجدّداً، بكلّ ما فيها من غياب ‏انسجام، وسيطرة الروح الصبيانية التي أشار إليهما بن نبي في الماضي. ‏

عندما وصل بن نبي إلى بيته في آخر العام الدراسي وجدَ شيئاً جديداً في مدينته تبسة: ففي مقاهي العرب ‏أغاني سلامة حجازي، وفي مقاهي الأوروبيين نغمات الجاز الصاخبة. كان ذلك بفضل انتشار استعمال ‏جهاز الاسطوانات. كان في البدءِ سعيداً بدخول الموسيقى العربية إلى الجزائر لتُنافس الموسيقى ‏الغربية، ويقول في مذكراته: “بالفعل، لقد كانت الأسطوانة المصرية عاملاً بارزاً للتطوّر النفسيّ ‏والسياسيّ في بلادنا. ومدينة تبسة كانت رائدة في ذلك. ففي قسنطينة كان المالوف هو النوع الموسيقيّ ‏المنتشر. أمّا في الجزائر العاصمة فالساحة الموسيقية كانت تسبح في فضاء فارغ. و كان لأول أسطوانة ‏مصرية سمعتُها وقعٌ كبير في نفسي بفضل نغمات آلة (القانون) التي عرفتُها لأول مرّة، لكن صوت ‏سلامة حجازي ولغته كان لهما وقع أقوى”.‏

وينبغي ألاّ ننسى أنّ بن نبي نفسه كان عضواً في المعهد الموسيقي، كما كان واحداً من المُنشدين في الفرقة ‏الموسيقية. لكنه سيُغيِّرُ رأيه حول الموسيقى المصرية في وقتٍ لاحقٍ.‏

وبحلول شهر ديسمبر غادر تبسة وعاد إلى قسنطينة وراح يتردد على مكتبة (النجاح) ليشتري جرائده ‏المفضلة ويتصيّد ما قد يستجدّ من كتب ومؤلفات. كانت المواجهة الإعلامية بين الأمير خالد ومورينو ‏على أشدّها. وانقضت سنة 1923 على وقع ملحمة الأمير عبد الكريم الخطابي (1882-1963) ‏والهزيمة التي مُنيَ بها الإسبان في أنوال (6) . أمّا في فرنسا فلقد تمّ الاستنجاد بـ بوانكاري ‏Poincaré‏ ‏ليعود إلى الحكم ثانيةً. في إيطاليا كان موسوليني مُتّجهاً إلى روما بمسيرته. كما شهدتْ الساحة العالمية ‏ظهور اسم غاندي وذيوع صيته على صفحات الجرائد. وفي الوقت ذاته كان رومان رولان ‏Romain ‎Rolland‏ مُنْكَباًّ على نشر كتاب “الهند الفتيّة” ‏La Jeune Inde)‎‏… ‏

غير أنّ الحدث الذي أثّر في مالك بن نبي أكثر خلال هذه السنة لم يكن متعلّقاً بما يجري في الساحة ‏الدولية أو المحلّيّة. كان ذلك الحدث ذا طبيعة فكرية، كما هو الشأن في سيرة فيلسوفنا كلّها. إنها السنة ‏التي تمّ له فيها اكتشاف ابن خلدون (1332-1406) في ترجمة دوسلان ‏De Slane‏ والمسعودي ‏‏(900-956) صاحب كتاب “مروج الذهب” (7). ولمّا انقضت السنة الثالثة من حياته الدراسية في ‏المدرسة عاد بن نبي ثانية إلى تبسة.‏

والجديد في تلك الصائفة أنّ صوت أم كلثوم (1898-1975) صار من الأصوات المسموعة في مقهى ‏أهل المدينة الأصليين. ومِن جهة أخرى كانت المدينة تعيش انطلاق الدعوة التي قادها العربي التبسي ‏‏(1893-1957) العائد من جامع الأزهر. فكانت حربا ضدّ الشعوذة و الزوايا. وسرعان ما انقسم أهل ‏المدينة إلى فريقيْن: مؤيّدي الأفكار الإصلاحية التي دعا إليها الشيخ العربي التبسي، ومؤيّدي الإسلام ‏التقليدي الذي يُمثِّلُه العالِم الجليل، الشيخ سليمان. ‏

وكانت السلطات الاستعمارية تخُصُّ ذكرى 14 جويلية باحتفالات مهيبة. أما بن نبي فكان يقضي أيامه ‏في البيت، ولا يخرج إلاّ ليلاً لملاقاة الأصحاب. كان شديد التعلّق بأمِّهِ التي كانت تعتزّ كثيرا بابنها ‏الوحيد المُتعلّم، الجميل و المؤدّب. ‏

وممّا قرأه في تلك العطلة كتاب “التاريخ الاجتماعي للإنسانية” ‏L’Histoire sociale de ‎l’humanité)‎‏ للكاتب كورتلمان ‏Courtellement‏ (8) الذي كان قد وجده في مكتبة أبيه، وكذا جريدة ‏‏”العصر الجديد” الأسبوعية التونسية. أمّا الصراع الدائر بين تلاميذ العربي التبسّي وأتباع الشيخ ‏سليمان فلم يكن يأبه له إطلاقاً. ولمّا وصلت العطلة إلى نهايتها وحان أوان توديع الأهل بدأ يُجهِّز ‏نفسه لمباشرة سنته الدراسية الرابعة والأخيرة. ‏

لمّا عاد إلى قسنطينة شعَر مُجدّداً بأن عدد الأوروبيين صار هو الأغلب، كما شعر بأنّ قبضة الاستعمار ‏صارت أقوى. و الجديد في هذه السنة هي تلك الحافلات الخاصة بنقل المسافرين عبر شوارع المدينة، ‏وكذا البدء في تجنيد الأعداد الأولى من القُوميين (‏Goumiers‏). أمّا في مقهى بن يمينة فكان الحوار ‏يدور خاصة حول ثورة الريف المغربي.‏

صار عُمْر بن نبي الآن عشرين سنة، وكان في هذه المرحلة كثير التفكير في مستقبله بعد إنهاء الدراسة. ‏ومِن الأحلام التي كانت تراوده الالتحاق بثوار الريف في المغرب، أو زيارة تومبوكتو والانتشاء بسحرها. ‏لكن هناك وجهة أخرى كانت تجذبه، و هي أستراليا. لم يكُن يعرف أن أعداداً كبيرة من شباب الجزائر ‏المستقلّة سيحلمون بهذه الوجهة بعده بثلاثة أرباع القرن، كما ستكون سبباً في شهرة أحد ممثلينا ‏الكوميديين، وهو محمد فلاّق. كان بن نبي يعرف أنّ هذه الوجهة أصعب من سابقتها، لكنه بقي يحلم ‏بها لفترة طويلة.‏

والسّؤال الذي طالما حيّره هو: ماذا سيفعل؟ فهو على علمٍ بأنّ حظوظ الأنديجان في الإدارة أو الأعمال ‏الحرّة ضئيلة. فلقد سبقت الإشارة إلى أنّ الجزائريّ في ذلك الوقت كان بدون جنسية، فهو بمثابة لا ‏كائن قانوني، أو بمثابة مواطن من الدرجة الثانية، وأجنبي في موطنه. ولأجل كل ذلك كان هذا السؤال ‏ملازماً له على الدوام. غير أنه في الوقت الراهن يُفكِّرُ في الاكتفاء بالانطلاق بعيداً عن تبسة فيُنشىء ‏مزرعة في (الخروب) أو تجارة في (الشريعة).‏

وقد تمكّن ابن باديس من قلوب أهل قسنطينة حتى صار أسطورة بأتمّ معنى الكلمة. وكان بن نبي ‏مسحورا بهذا الشيخ الذي كُلّما مرّ على مقهى بن يمينة، وهو في طريقه إلى مكتبه، تبعه بعينه حتى ‏يختفي عن النظر (م.ش.ق).‏

وما إنْ خامرتْهُ فكرة الكتابة حتى خَطَرَ في ذهنه هذا العنوان “الكِتاب المُحرّم” قبل أنْ يُفكِّرْ في موضوعٍ ‏مُحدّد. ولمْ يجد بن نبي لذلك تفسيراً للوهلة الأولى، لكنه أدرك بعد مرور الوقت أنه استلهم أسطورة ‏ابن باديس دون شعور منه. فالمعروف عن الشيخ أنه تخلّى عن حياة الترف والبذخ التي كانت تتيحها ‏له عائلته الثّريّة، كي يتفرّغ للمجهود الإصلاحيّ. فأبوه كان تاجراً ثرياًّ، وأخوه كان مُحاميا مُعتمداً، وزوجته ‏مِن الطبقة الثرية كذلك.‏

لكنّ الأمر الذي سيُثيرُ حيرته بعد تلك الفترة أنه كان أكثر تعلّقاً بالشيخ الطيب العقبي في صراعه المرير ‏مع أهل الشعوذة والممارسات الظلامية. فالاعتقاد بأن الطيب العقبي كان أكثر تمثيلاً للتيار الإصلاحي ‏من ابن باديس لم يكُنْ إلاّ نتاج أحكام اجتماعية مُسبقة.‏

وسيتعلّق بن نبي بتلك الأحكام المسبقة لمدة طويلة، مما جرّه إلى تحرّي الحذر، بل وحتى الغيرة من ‏الأغنياء والأشراف. ومما جاء في مذكراته حول ذلك: “لمْ أكتشف خطئي في هذه النقطة إلاّ بعد رُبع ‏قرن. ولمْ أشرع في الاعتراف بذاك الخطإ إلاّ حوالي سنة 1939، وبلغ اعترافي مداه سنة1947”. ‏

إنّ الاعتراف بالذنب، سواء أكان مُتأخراً أمْ مُبكراً، علامة مُشرّفة لصاحبه، خاصة إذا كان الاعتراف ‏مكتوباً. فبن نبي في نزاهته الدامغة وتواضعه النادر كان مثل حمودة بن ساعي، ذلك المثقف المغمور ‏الذي لا تعرفه إلاّ القلة القليلة من الناس.‏

ولقد كرّم فيلسوفنا ابن باديس أكثر من مرة: في مقال نُشِرَ بتاريخ 24 أفريل 1953 في صحيفة ‏Le ‎Jeune musulman ‎، وفي كتاب “وجهة العالم الإسلامي” المنشور سنة 1954، حيث أشار إلى ‏‏”شخصية ابن باديس البارزة، والذي امتدّ إشعاعه الشخصي إلى أعماق الضمير الشعبي”. كما كرّمه في ‏كتاب “الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة”‏colonisés‏ ‏La lutte idéologique dans les pays‏ ‏‏(9) سنة 1960، حيث وصفه بكونه “مُجاهداً كبيراً في الجبهة الإيديولوجية” ، وفي مقال نُشِرَ له في ‏مجلة ‏Révolution africaine ‎‏ في أوت 1967، حيث يقول: “لمْ يخُضِ المعركة بالتحفظات ‏والحسابات التي يقوم بها كلّ زعيم، بل بتفانٍ تام وقٌنوتٍ صوفيّ… هو الذي أحيى قيمة الإسلام ‏الثقافية الأصيلة، وكان أحسن ممثِّلٍ لها دون أن يعلو على الجماهير، وفي خضمّ المعركة”). وكرّمه أخيراً ‏في شهر ماي 1970 في مجلّة صادرة عن جامعة الجزائر(10) ‏‎ (Que sais-je de l’islam )‎‏ ‏

وإذا كان بن نبي يؤكِّد على أن خطأه محصور في هذه النقطة دون سواها، فذلك لأنّه اختلف مع الشيخ ‏ابن باديس في نقاطٍ أخرى. وهذا ما سنستعرضه لاحقاً.‏‎ ‎‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ عُقِد لقاء بباريس سنة 1905 بين نجيب عزوري (م سنة 1916)، وهو مسيحيّ عربي كان حاكماً بالنيابة ‏لمدينة القدس، وأوجين يونغ ‏Eugène Jung‏ ( م سنة 1934) وهو نائب القائم الفرنسي سابقاً في تونكين ‏Tonkin‏. وكان عزوري قد نشر كتاب “يقظة الأمة العربية في آسيا التركية”. ولقد تعرّض للنفي من طرف ‏السلطان عبد الحميد مثل الطاهر الجزائري وأحمد رضا في وقت سابق. وسرعان ما بدا الانسجام بين الرجلين ‏في هذا اللقاء حتى توطّدت روابط الصداقة بينهما. تخلّى يونغ عن وظيفته في الإدارة كي يتفرّغ للدفاع عن ذلك ‏الحُلم الفرنسي/العربي.‏
وبُغية نشر أفكاره أسس جريدتين: الاستقلال العربي (‏L’Indépendance arabe ‎‏ ) سنة 1906، ثُمّ ‏‏”المشرق العربي” (‏‎ L’Orient arabe‏) سنة 1917. اضطُرّ إلى نشر كتبه على نفقته الخاصة لأن دور النشر ‏رفضت نشرها له.‏
كان يونغ سليل أسرة ألزاسية شريفة. فأبوه كان جنرالاً ورجل أعمال ثريّ في مجال الصناعة، وموظّفاً سامياً في ‏الدولة الفرنسية. لكن الابن سرعان ما صار فقيراً فقراً مُدقعاً بسبب مواقفه المُوالية للعالم الإسلاميّ. آثاره ‏تتمثل في عشرة كتب، من بينها “الإسلام تحت النّير” ‏L’islam sous le joug ‎‏ ) الصادر سنة 1926، و ‏‏”العرب والإسلام في مواجهة الحروب الصليبية الجديدة “‏Les Arabes et l’islam face aux nouvelles ‎croisades ‎‏ ) الصادر سنة 1931.‏

‏2)‏ ‏”تامل من بوسعادة”، الثورة الافريقية عدد 17 أفريل 1968‏

‏3)‏ أسْلَمَ الدكتور فيليب جرونيي ‏Philippe Grenier‏ ( 1865-1944) في البليدة بالجزائر سنة 1894، وأدّى ‏فريضة الحجّ في السنة نفسها. كان طبيبا يمارس عمله في مدينة مونتارليي ‏Pontarlier‏ بولاية جورا الفرنسية ‏Jura‏ انتُخِبَ في المجلس المحلّيّ، ثُمّ نائباً برلمانيا لمدينته. و بذلك فهو أول نائب مسلمٍ في المجلس الوطنيّ ‏الفرنسيّ. كان يحظى باحترام كبير في ناحيته نظراً لإنسانيته، وكثيرا ما شُبِّهَ بـ فيكتور هيجو ولويس باستور ‏‏(جريدة الفيجارو ‏Le Figaro‏ الصادرة بتاريخ 14 جانفي 1897). وقد اختار أنْ يرتدي لباس المسلمين ‏التقليدي (الشاش والعباءة والبرنوس) ممّا يُغْرِي المُشاهِدَ باعتباره شخصاً غريب الأطوار. وانتهى به الأمر إلى ‏الحرمان من عهدته النيابية سنة 1898، أي قبل الفترة التي يقصدها بن نبي. ‏‎. R. Fermier : « Dr. ‎Philippe Grenier, ancien député de Pontarlier », Ed. Faivre-Verney, Pontarlier, ‎‎1955 et R. Bichet : « Un comtois musulman, le Dr Philippe Grenier : prophète de ‎Dieu, député de Pontarlier», Besançon 1976).‎

‏4)‏ تورقوت أوزال‎ Turgüt Özal ‎‏ “: تركيا في أوروبا” منشورات بلون‏‎ Plon‏ ، باريس 1988‏

‏5)‏ منشورات مصر، القاهرة 1956‏

‏6)‏ خاض الأمير تلك المعركة على رأس 3000 جندي ضد الجيش الإسباني الذي كان يتكون من 60000 جندي ‏قُتِلَ منهم أكثر من 20000 كما أُسر العديد من الجنرالات. وحسب ما جاء في شهادة الأمير نفسه، فقد تمكن ‏جيشه من غنم 20000 بندقية، 200 مدفعاً، والملايين من الخراطيش.أرجع الى عمار بلخوجة:” علي ‏الحمامي و تنامي الوطنية الجزائرية” منشورات الدحلب ، الجزائر العاصمة 1991.‏

‏7)‏ ترجمه الى الفرنسية باربيه دو ماينارد‎ Barbier de Meynard‏ سنة 1867‏

‏8)‏ جول جيرفي كورتلمان (1863-1931) هو مُصوِّر فوتوغرافي ومُنقِّب، أسلم في حدود سنة 1880، وأدّى ‏فريضة الحج سنة 1894. ولمّا هاجمنه الصحافة الاستعمارية غادر الجزائر سنة 1895. وهو كاتب “رحلتي ‏إلى مكة ‏‎ Mon voyage à la Mecque)‎‏ وكذلك “رحلة إلى سوريا ومصر” ‏Voyage en Syrie et en ‎Egypte ‎‏ )، ولم نتمكن مِن إثبات صحة ما نسبه إليه بن نبي من مؤلفات.‏

‏9)‏ منشورات دار العروبة، القاهرة، 1960.‏

‏10)‏ ماذا أعرف عن الاسلام؟‎ ‎‏”‏Que sais-je de l’islam ? .‎‏”‏

You may also like

Leave a Comment