Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (2)‏

حياة مالك بن نبي (2)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

جاء فصلُ الخريف ومعه الدخول المدرسي. ذاتَ يوم، وعند عودته من المدرسة ارتطم الطفل مالك بن ‏نبي بأمه عند عتبة باب البيت. ‏

سارعت الأم بإعطائه رزمة وقبّلتهُ وهي تأمُرُه بالالتحاق بأبيه في مكتب قافلة السفر حيث ينتظره مِن ‏أجل الإقلاع إلى قسنطينة. ومِن دون أن يطرح عليها أيّ سؤال، انطلق الطفل كالبرق إلى حيث أمرته ‏أمّه.‏

كانت الرحلة كلّها نشوة وفرحاً لا نظير لهما، فليس هناك ما يُسعِدُه أكثر من فرصة العودة إلى مسقط ‏رأسه. فقسنطينة هي حبّه الأكبر، وهو مشتاق كثيرا لرؤية المنزل الذي وُلِدَ فيه وإلى جده وجدته. وعند ‏وصوله غمرته نشوة لا توصف، فالمدينة قد ازدانت بالإنارة العمومية التي كانت شيئا جديداً آنذاك. وهذا ‏ما زاد مِن عظمة المدينة في مُخيّلته، إذ بدا له أنها صارت أكثر نشاطاً وأكثر اكتظاظا بالأوروبيين.‏

أقام بن نبي عند جدته بهيجة التي كانت تسكن في إحدى تلك الدور العربية، حيث اكترت منها حجرة ‏لتسكن فيها. كانت كل الأشياء في عينه تتجاوز حدود ما يتمناه الخاطر. تعرّف على فن السينما لأول مرة ‏في حياته، وممّا يذكره في هذا الصدد أنه اضطُرّ إلى بيع جواربه الجديدة التي اشتُريَتْ له في الصبيحة ‏نفسها، وذلك من أجل مشاهدة فيلم “غرائب نيويورك”( ‏Les mystères de New York‏). ‏

أمّا جدّه بابا الخُذير، فقد رجع من ليبيا منذ فترة قصيرة، وهو أحد وجوه الطريقة العيساوية في قسنطينة، ‏وكان حفيده مالك يرافقه أحياناً إلى الزاوية (1) كي يشاهد الأمسيات التهجدية التي ينظمها أتباع الطريقة. ‏ولم يكن الطفل يفهم شيئا في تلك الرقصات والحركات التي هي أشبه شيء بالشعوذة. ومع ذلك فقد صار ‏عضواً في فرقة الإنشاد التابعة للزاوية. ‏

ولمّا انضمّتْ تركيا إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى اتّخذ هذا الموقف بُعْداً دينياًّ في عقول العامّة. ‏وكثيرا ما كان بن نبي يسمع بإعجابٍ أحد الشيوخ وهو يردد أنّ الخليفة العثماني يملك سلاحاً سرّياًّ، فهو ‏يقول: “لو أنه رفع راية النبي (ص) لاشتعلت النار في العالم بأسره” (م.ش.ق). ‏

وكانت الأنباء التي تصل إلى أسماع الجزائريين حول معركة الدردنيل (1915) تشحنهم فخراً ‏واعتزازاً. وهكذا اكتشف الطفل أنّ بإمكان بلد مسلمٍ أنْ يواجه أعظم البلدان، بل بإمكانه أن يهزمها. وكان ‏ذلك هو السبب في ميله إلى حب تركيا.‏

أمّا في ساعات الفراغ، فكان الطفل يتجوّل في شوارع المدينة وهو يلاحظ آثار الاستعمار على الصعيد ‏الاجتماعي. وهكذا أتيح له أن يسجِّلَ أنّه كُلّما ازداد عدد الفرنسيين في المدينة ” كانت مظاهر حياة ‏السكان المحليين تتناقص، إذ انزوتْ في أزقة سيدي راشد ومسالكه الضيّقة” (م.ش.ق). وكان ذلك سبباً ‏في اختفاء كثير من الحِرَف والجماعات الحرَفية، مثل حرفة الحياكة، وأخذت مكانها مؤسسات جديدة مثل ‏البنوك والمطاعم. وبدأت تنتشر تجارة المشروبات الكحولية وتأخذ مكان الأنشطة الأخرى التي أصاب ‏الإفلاسُ أصحابها.‏

كان القسنطينيون يبذلون ما بوسعهم للتكيّف مع أوضاعهم الجديدة. فهذه عاداتهم أصابها ما أصاب أهلها ‏من التحوّل والتّغيّر: “كُنّا نحافظ على المظهر ونُهمِلُ الجوهر… إنّ حركة التعمير بالأوروبيين التي ‏شهدتها المدينة أدّتْ إلى تشويه أسلوب حياتنا القديم، وعاداتنا، وكلّ ما كان يُميّز مدينتنا القديمة. أمّا البُنى ‏الاجتماعية والذهنية التي رسّختها الثقافة العربية الإسلامية منذ أكثر من عشرة قرون فقد بدأتْ تتراجع ‏بعد نصف قرنٍ من التعدّي والغزو الثقافيّ. فالإدارة الاستعمارية كانت تفكك تلك البنى بعناية ودقة، وذلك ‏بطرد الفلاحين من أراضيهم، ومنع الحِرَفيين في المدينة من ممارسة نشاطهم، وحرمان الأهالي من ‏التعليم كي ينغمسوا في حياة الصعلكة والتسوّل” ( م.ش.ق).‏

ولسوء حظ بن نبي، فعودته إلى قسنطينة وإقامته عند جدته لم تدُمْ زمناً طويلاً، إذ اضطرّ للعودة إلى ‏والديْه في تبسة لأنّ جدّته لم تعُدْ قادرة على التكفل به. وفور وصوله إلى تبسة أجرى امتحاناً للالتحاق ‏مُجدّداً بالمدرسة التي كانت معلمته مدام بويل قد غادرتها. ‏

كان يُتابع أخبار الحرب بقراءة جريدة مُصوّرة كان يتلقاها أحد تُجار الحيّ الذي يقطن فيه. وكانت تبلغ ‏مسامعه كذلك أخبار التمرّد الذي حصل في مدينة عين توتة (في الشرق الجزائري) احتجاجاً على الخدمة ‏العسكرية المفروضة على الأهالي على مدى ثلاث سنوات.‏

كان يُطلق اسم “الأنديجان” على الجزائريين لتمييزهم عن الأوروبيين واليهود لمنعهم من أن يكونوا ‏مواطنين فرنسيين. فلا هُم فرنسيون ولا هُم جزائريون، بل هُم فئة خاصة يُطبق عليها قانون خاص ‏يُسمى بقانون الأنديجان ‏le Code de l’indigénat‏ الصادر سنة 1881. أمّا يهود الجزائر فقد ‏تحصلوا على الحق في الجنسية الفرنسية منذ 1870 بمرسوم كريميو ‏‎(Décret Crémieux)‎‏ الشهير، ‏كما تحصّل على هذا الحق كلّ الأجانب من غير المسلمين منذ سنة 1889.‏

تقول مكالي مورسي ‏Magali Morsy‏ في مقدمة كتاب للمؤرخ شارل أندري جوليان ‏Charles-‎André Julien‏ حول أوضاع الجزائر في تلك الحقبة: “لمْ يَعُدْ للرجال أسماء. فالعربيّ هو إنسان ‏متوحِّش يعيش في الشمال الإفريقي، وهو من الناحية القانونية لا يحمل أيّ اسمٍ: فهو مُجرّد (أنديجان)، ‏وهو لا يُذكرُ إلاّ كما تُذكر الآجام والوهاد” (2)‏‎.‎

أعلنت أمريكا عن دخولها الحرب في أفريل 1917، وكان ذلك إيذاناً بالنتائج التي ستتمخض عنها، إذْ تمّ ‏التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار بعد ذلك بوقت وجيز (11 نوفمبر 1918). ومِن نتائج تلك الحرب ‏تفكيك الأمبراطورية العثمانية المنهزمة، وتقسيم الأراضي العربية التي كانت مهيمنة عليها بين أنجلتيرا ‏وفرنسا. فباستثناء تركيا والجزيرة العربية، صارت كلّ البلدان الإسلامية مُحتلّة أو ترزح تحت الانتداب.‏

وفي خضمّ تلك الأحداث بدأ اليهود يتوافدون على فلسطين التي وعدهم الأنجليز بمنحها لهم كموطن. ‏وشهدت مكة ظهور أول جريدة باللغة العربية على يد الشيخ الطيب العقبي (1890-1960) تحت ‏عنوان “أمّ القرى” (3).‏

وغداة الحرب العالمية الأولى أصدر الرئيس ويلسن بياناً في أربع عشرة نقطة بخصوص حق الشعوب ‏في تقرير مصيرها بنفسها. ولمّا وصلت أصداؤه إلى الجزائر سارع المُعمِّرون بالإعلان عن مُعارضتهم ‏لتطبيق تلك الوثيقة على الأنديجان الذين جُنِّدَ منهم حوالي 200.000 جندي للمشاركة في الحرب، وقُتِلَ ‏منهم 80.000 دفاعاً عن الراية الفرنسية (4).‏

كان مالك بن نبي شاباًّ، وكان ينظر بأسى شديد إلى الأوضاع المتردية التي آل إليها شعبه غداة الحرب ‏العالمية الأولى، وهو يقول في ذلك: “كانت تبسة آخذة في الانحدار إلى أسفل دركات التصعلك في جميع ‏أوجه حياتها… فكبرى العائلات التي كانت في رغدٍ من العيش وتنعم بما يكفل لها المسكن والملبس لمْ ‏تعُدْ قادرة على العيش فيها. والأرض التي كان يرتزق منها الأجداد صارت جدباء عقيمة… فالنيران التي ‏أتت على الأخضر واليابس قُبيل الحرب العالمية الأولى بدأت تظهر آثارها الوخيمة. لمْ أعُدْ أرى تلك ‏الثلوج التي كنتُ أتمرّغ فيها، ولا صواعد الجليد ونوازلها على أسقف البيوت، والتي كنتُ ألهو بكسرها ‏وأنا أمرّ بمُحاذاتها. ولمْ يَعُدْ سهل (الحريق) المشهور في تبسة إلاّ أرضاً جدباء مُقفرة” ( م.ش.ق). ‏وسيبقى حُبّ الأرض الذي عرفه مالك وهو صبيّ مُلازماً له طيلة حياته. فهذه الغريزة كانت بمثابة ‏‏”جوهر للحس الاجتماعيّ”، كما يقول بن نبي.‏

ومن مظاهر التغيير التي بدأت تنتشر في المجتمع، اللّجوء إلى شراء الخبز بدلاً مِن طهي (الكسرة) في ‏المنزل، وظهور السيارة كوسيلة للنقل البريّ والطائرة للنقل الجوّيّ. وفي خضمّ هذا التحوّل تحصّل بن ‏نبي على الشهادة الابتدائية بملاحظة (جيّد)، ونجح في امتحان الاستفادة من منحة لمتابعة التعليم ‏الإكمالي.

وبما أنّ جدّه كان متوفّيا، وجدته عاجزة عن التكفل به، كان لا بُدّ من الاعتماد على أحد أعمامه لرعايته ‏في مدينة قسنطينة حيث يتابع دراسته. وكان هذا العمّ محاسباً رئيسياًّ في أحد مصانع التبغ التي تملكها ‏عائلة ثرية في قسنطينة، وهو في الوقت ذاته يشتغل كقائد جوق للفرقة الموسيقية بالمدينة.‏

أمّا نقل المسافرين عبر الطرق الطويلة فصارت الحافلة هي الوسيلة البديلة عن القوافل. امتطى مالك ‏حافلته التي ستُقِلّه إلى قسنطينة وهو يشعر أنّه على عتبة مرحلة جديدة من حياته. وكانت إقامته عند عمّة ‏أبيه المُسمّاة (خالتي بيبيّة)، وهناك وقع بصره لأوّل مرّة على الآلة الموسيقية التي سيتعلّم منها قواعد ‏الموسيقى بمساعدة عمّه محمود. وهكذا عاد إلى مسقط رأسه، تلك المدينة التي كانت تتكوّن من ثلاثة ‏أجزاء: الحيّ العربي، والحيّ اليهودي، والحيّ الفرنسي. وقد تمّ تسجيله في إكمالية “سيدي الجلّيس” التي ‏تابع فيها أبوه وعمّه دراستهما، والتي يُديرها السيد مارتن ‏M. Martin‏.‏

ولولا (الشاشية) الحمراء التي كان مالك بن نبي يرتديها وهو عائد إلى مسقط رأسه لظُنّ أنه مِن أبناء ‏الأوروبيين. فكان وهو في الرابعة عشرة من عمره شاباًّ جميل الطلعة، بسحنة بيضاء وعينين ‏خضراوين عليهما نظارتان طبيّتان.‏

كان عليه أنْ يرتاد المسجد صبيحة كلّ يومٍ باكراً كي يتابع دروس الشيخ عبد المجيد، وإذا كانت الساعة ‏الثامنة كان عليه أن يذهب إلى المدرسة الإكمالية ليتابع دروس السيد مارتن. ويقول في ذلك: “وسيكون ‏لهذين الرجلين الدور البارز في إعطائي التكوين العقليً مزدوج الاتجاه، والذي سيحدد إلى حدٍّ ما ميولي ‏الفكرية” (م.ش.ق). وكان من حسن حظه أن السيد مارتن كان ذا نفْسٍ خيِّرةٍ، إذ هو الذي سيُعلِّمُه حبّ ‏المطالعة بإعارته بعض الكتب التي كان أولها المجموعة الكاملة للروائي جول فارن ‏Jules Verne‏. ‏

أنهى الشاب مالك بن نبي هذه المرحلة التعليمية وأجرى امتحان الدخول إلى المدرسة. ولم يكن في ‏الجزائر كلّها آنذاك إلاّ ثلاث مدارس بهذا المستوى الذي يكون فيه التعليم مزدوجاً ‏franco-‎musulman‏ ومختصاًّ بالإعداد للتعليم الجامعي.‏

التحق مالك بن نبي بالمدرسة سنة 1920، وكان عليه أن يحمل معه كلّ أمتعته وفراشه. أقام في إحدى ‏حجرات المدرسة رفقة طالبيْن آخريْن، وهُمْ جميعاً يتناولون وجباتهم في مطعمٍ شعبيّ قريب من المدرسة ‏التي يديرها السيد دورنون ‏M. Dournon‏.‏‎ ‎

وفي تلك المدرسة تتلمذ على يد مفتي قسنطينة الشيخ مولود بن ميهوب وتعلّم عنه العلوم الدينية والسيرة، ‏كما تتلمذ على الشيخ بن العابد الذي تعلّم عنه الفقه. أمّا أساتذته الفرنسيون فكان منهم السيد بوبريتير ‏Bobreiter‏ الذي زاد من شغفه بالمطالعة، إذ بفضله قرأ كتابيْ « ‏L’Azyadé‏”‏‎ ‎و ‏Les ‎Désenchantées ‎‏ لصاحبهما بيار لوتي ‏Pierre Loti‏ وكتاب ‏L’Homme qui assassina ‎‏ ‏للكاتب كلود فارير ‏Claude Farrère، و ‏Le Disciple ‎‏ للكاتب ‏Pierre Bourget‏ (5).‏

وسيكون لرواية ‏Le disciple‏ أكبر فضلٍ في اكتشاف مالك بن نبي لعلمِ النفس، وهو المجال الذي ‏سيتوسع فيه بعد عاميْن من ذلك بقراءة كتاب (6) ‏‎ Traité‏ لصاحبه كوندياك ‏Condillac، ذلك الكتاب ‏الذي أكبّ على قراءته زمناً طويلاً، بالإضافة إلى كتاب (كيف نُفكِّر ‏Comment nous pensons ‎‏ ) ‏لِعالِمِ التربية الأمريكيّ جون ديوي ‏John Dewey‏ (7).‏

وهكذا أقبل مالك بن نبي على التشبع بِنَهَمٍ شديدٍ مِنْ ثقافتين مُختلفتيْن، ممّا أدّى إلى ظهورِ شرخٍ في ‏تصوّره للوسط الذي يعيش فيه. وهو يقول في ذلك: “كان صوتُ المشرق الحديث والقديم يصل إلى ‏مسمعي في صورة بهيّةٍ تارةً وفي صورة مُتردّيةٍ تارة أخرى. كُنْتُ أنتشي بأخبار الماضي المجيد إلى حدّ ‏البكاء، وكانت تلك الأخبار تشُدّني بقوّةٍ إلى شيءٍ مُبْهَمٍ في أعماقي، وقد بدأْتُ أشعُرُ بوجوده فعلاً. إنّ تلك ‏الدروس التي كُنتُ أُتابعها عند أساتذتي، خاصةً منهم العرب، كان لها الدور الفعال في ترسيخ هذا العامل ‏العقلي عند أمثالي من طلبة تلك المدارس المزدوجة، والذين سيكون لهم مكان في الحركة الإصلاحية ‏التي بدأت تظهر في الجزائر آنذاك” (م.ش.ق).‏

لكنه كان يشعر من جهةٍ أخرى بمحاسن التعليم بالفرنسية، ويقول في ذلك: “كان أساتذتنا الفرنسيون ‏يُغَذّون عقولنا بمضامين تلك الثقافة الديكارتية التي ينقشع أمامها ضباب الروح الأسطورية التي هي ‏لازمة مِن لوازم التفكير الخُرافي السائد آنذاك في الجزائر” (م.ش.ق). ‏

فكانت تلك الحياة المدرسية المزدوجة ممّا فتح للشاب الناشئ عالماً سِمتُهُ التّحرّر. فالمنحة المدرسية التي ‏استفاد منها كانت كافية لتغطية احتياجاته. فراح يغتنم هذه الحرية كي يتسلل إلى شوارع المدينة القديمة ‏التي كان يعيش فيها الأوروبيون واليهود والسكان الأصليون جنباً إلى جنب. وكان وعيه العميق يُسجِّل ‏كل شيءٍ، بدءاً بالإطار المكاني، ومروراً بالسلوكات والأفعال، ووصولاً إلى العادات الخاصة بكل ‏جماعة. وهو في مذكراته يرسم لنا الوسط القسنطيني في تنوّعه وتناقضاته مثل: حفلات الطرق ‏الصوفية، وأعراس الزواج، والطموح في امتطاء قطار الحداثة.‏

إنّ أسلوب وصف الأستاذ مالك بن نبي في درجة عالية من الدقة والتشويق، إذ ينتابك، وأنت تقرأ له، ‏أنك تُتابع فيلماً وثائقياًّ حول الفترة التي عاشها. ويبدو مُرهف الشعور ومُنشغلاً بما لحق المجتمع ‏القسنطيني من تدهور، إذ يبدو جلياًّ أن التعايش بين الاستعمار والمجتمع الجزائري أمرٌ مُستحيل لأنّ ‏الأول يعمل على التعدّي على الثاني وإهانته.‏

يصف لنا بن نبي انهيار تلك الأسَرِ القسنطينية الكبرى التي حاولتْ المحافظة على مجدها التليد. ومِن ‏تلك العائلات: بن شريف، وبن قريشي، باش ترزي، صالح باي، لفقون، وبعض تلك الأسَرٌ كانت تتربع ‏على أملاك واسعة، وبعضها كانت مُهيمنة على الصناعة، بينما اكتفى البعض الآخر بامتلاك الحمّامات ‏أو الدكاكين. لكنها جميعاً اضطرتْ إلى إيقاف نشاطها أو بيع أملاكها والتنازل عنها لصالح اليهود أو ‏الفرنسيين.‏

إنّ كثيرا من المؤرخين الفرنسيين يعترفون بأن الجزائريين خضعوا لمسار تفقير فرضه الوجود ‏الاستعماري. فلقد كتب ألكسي دو توكفيل ‏Alexis de Tocqueville‏ منذ سنة 1847 قائلاً: “لقد جعلنا ‏من المجتمع المُسلِمِ أكثر شقاءً، وأكثر فوضوية، وأكثر جهلاً وبربريةً قياساً بما كان عليه قبل أن يعرفنا” ‏‏(8).‏

وممّاَ يدعو إلى الدهشة عند قراءة مذكرات بن نبي حرصه على التمييز بين الاستعمار والضمير ‏الفرنسي، وهو يُكِنّ كثيراً من التقدير لبعض الفرنسيين، مثل الدكتور فيجاريل ‏Dr. Figarelle‏ الذي ‏عالج أمّه طيلة سنوات دون أنْ يُطالب بأي أجرٍ مُراعاةً للظروف القاسية التي كانت تمرّ بها العائلة.‏

وقد صاغ بن نبي ذلك “التعايش معاً” الذي فرضه الاحتلال الفرنسي على الجزائريين في إحدى مقالاته ‏التي نشرها بعد هذه الفترة: “في سنة 1830 كان الشعبان (الفرنسي والجزائري) في مستوى اجتماعي ‏مُتقارب. ولا نُجانبُ الصواب إذا قُلنا إن الشعب الجزائري كان أحسن حالاً من الناحية المادية لأنه كان ‏يستفيد من فائض إنتاج في المواد الغذائية، وهو الفائض الذي يُوَجّهُ إلى فرنسا أحياناً. أمّا من الناحية ‏الفكرية فالجانب الفرنسي كان أحسن حالاً. وهكذا كان الشعب الجزائري يتمتع بكل ثروات أرضه، وكان ‏الشعب الفرنسي ينعم بموارد ثقافية هائلة لأنّه ينتمي إلى حظيرة ثقافية تعيش فترة ازدهار فكري… وكان ‏بإمكان الشعب الجزائري في البداية أن يلحق بالفرنسيين على امتداد عصر البخار والكهرباء. والذي ‏حصل أنّ الشعب الفرنسي تمكّن من الوصول وحده إلى عتبة عصر الذرة. أمّا الشعب الجزائريّ فقد زُجّ ‏به في قافلة (المتأخرين) لأنه لم يتمكن حتى مِن تجاوز مرحلة الأُمِّيّة. ومن زاوية النظرية النسبية، فإنّ ‏هذا الطرح يعني أنّ قرناً كاملاً من (التعايش معاً) لم يُؤدِّ إلى تضييق الهوّة بين الشعبين، بل زادها ‏اتّساعاً. إذاً، فكلّ ما حدث طيلة القرن الماضي هو أنّ أحد الشعبين كان يسير إلى الأمام، بينما كان الآخر ‏يسير إلى الخلف” (9).‏

كان مالك بن نبي يريدُ أنْ يُصحّح الفكرة التي مفادها أن الحركة الإصلاحية نابعة من أفكار جمال الدين ‏الأفغاني ومحمد عبده، ويقول في ذلك: “إنّ في هذا التوجّه كثيراً من الإفراط لأنه توجّهٌ يضرب عرضَ ‏الحائط بالتقاليد المحلية”. فهو – أي مالك بن نبي – يعتقد أن الفضل يعود إلى الشيخ صالح بن مْهنّة ‏‏(1854-1910) وتلميذه الشيخ عبد القادر البجاوي (1848-1914) في ظهور الحركة الإصلاحية ‏بقسنطينة في نهاية ق19م.‏

ولقد أورد في كتابه “شروط النهضة” (10) بعض المعلومات حول الشيخ صالح بن مهنّة “الذي كاد أن ‏يوقظ قسنطينة بأَسْرها في حدود سنة 1898. فهذا الشيخ الجليل كان هو رائد النزعة الإصلاحية، فهو ‏أول مَنْ هاجمَ شبح الشعوذة. لكن الإدارة كانت حريصة على إبقاء الناس في غفلتهم بإسكات كلّ من يُريدُ ‏أن يرفع صوته في ذلك الليل الدامس. وهكذا تمّ الاستيلاء على مكتبة ثمينة كانت عند هذا الشيخ، كما تمّ ‏تشريدُ مُنشطي طلائع الحركة الإصلاحية. والشيخ عبد القادر البجاوي كان من بينهم، إذ تمّ نقله من ‏مدرسة قسنطينة إلى مدرسة الجزائر…”.‏

وسيعود مالك بن نبي إلى هذه الفكرة لاحِقاً في مقال له حول عبد الحميد بن باديس، حيث يقول: “كانت ‏قسنطينة بين سنة 1895 و1900 مسرحاً لحركة إصلاحية مُبكِّرة بفضل جهود شخصيتين، وهما الشيخ ‏بن مهنّة، والشيخ عبد القادر البجاوي. فإننا لا نُجانِب الصواب إذا تساءلْنا عمّا إذا لم تكن تلك الحركة ‏إرهاصاً للنزعة الإصلاحية ككُلٍّ، سواء أكان ذلك بشكلٍ مباشرٍ انطلاقاً من أفكار ابن باديس ذاتها، أو ‏بشكلٍ غير مباشرٍ انطلاقاً من الأثر الذي تركته تلك الأفكار في وسطه. فنحن إذاً بإزاءِ مصدرٍ شمال ‏إفريقيّ للحركة الإصلاحية الجزائرية بِرُمَّتِها” (11).‏

ولقد ردّد نوربارت تابييرو ‏Norbert Tapiero‏ هذه الملاحظات ذاتها في حديثه عن رجال الإصلاح ‏المسلمين خلال القرن 19م، فقد ذكر اسم الطاهر الجزائري (1852-1920) الذي ذاع صيتُهُ في سوريا ‏بفضل أفكاره التجديديّة، مثل: الدعوة إلى التعليم الحديث، وإنشاء شبكة من المكتبات، والوحدة العربية ‏‏(12)… غير أن السلطات العثمانية التي أزعجتها أفكاره الجريئة أمَرَتْ بنفْيِهِ إلى مصر التي أقام بها ‏عشر سنوات. وقد خلّفَ ما يُقارب عشرين كتاباً. ‏

وسيأتي الأستاذ الجزائري عمار هلال ليؤكّد ملاحظات مالك بن نبي ويتّسع فيها، فهو يرى أنّ “الجذور ‏المحلّية لحركة الإصلاح أقدمُ بكثير مما هوشائع، إذْ تعود إلى ذات العصر الذي عاش فيه أبو النزعة ‏السلفية ابن تيمية (1263-1323)، حيث ظهر في بلدة طولقة (ناحية بسكرة) عالِمٌ اسمه الشيخ سعادة ‏الذي راح ينشر أفكاره التجديدية. كما ظهر بعده بزمن قصير، أي في القرن 14م، عالم آخر من مدينة ‏تلمسان اسمه عبد القادر بن محمد المغربي، وهو الذي قاد حركة مماثلة في ناحية توات” (13). ‏

لكنّ العجيب أنّ مالك بن نبي، وبعد كتابة ما سبق ذكرُهُ بعامٍ واحد، راح يقول مؤكِّداً “إنّ الإصلاح هو ‏الصيغة الجزائرية للحركة الوهابية” (14).‏

(يتبع)

المراجع:‏

‏(1) مؤسسة تضمّ أتباع طريقة من الطرق الصوفية، وتتكفل بالتعليم الديني.‏
‏(2) شارل أندري جوليان :” فكر مناهض للإستعمار: مواقف (1914-1979″ منشورات السندباد، باريس 1979‏
‏(3) ‏‎ ‎الراجح أنّ الأمر يتعلّق بجريدة “القِبلة” التي أسسها الشريف حسين (1856-1924) وأسندَ إدارتها للشيخ الطيب العقبي، ‏لكن جريدة “أمّ القرى” كانت موجودة بالفعل في تلك الفترة.‏
‏(4)‏‎ ‎هذه الأرقام أوردها مالك بن نبي في مذكراته. أما المؤرخ بنيامين ستورا ‏Benjamin Stora‏ فقد ذكر أنّ عدد ‏‏”الأنديجان” الذين جُنِّدوا في هذه الحرب هو 173.000، منهم 87.500 ملتزمون، وقُتِلَ 25.000 من المسلمين و 22.000 ‏من فرنسيي الجزائر ( ارجع الى ب.ستورا ‏B. Stora‏ ‏‎ ‎و زكية داوود ‏Zakia. Daoud ‎‏:” فرحات عباس: جزائر مختلفة” ‏منشورات القصبة، الجزائر العاصمة 1995). ولويس ماسينيون ‏Louis Massignon‏ مِن جهته يذكر أنّ 270.000 ‏جزائري قد جُنِّدوا، منهم 124.000 كعمال في المصانع‎.‎‏ (ارجع الى ” أوبرا مينورا” (‏Opéra Minora ‎‏)‏‎ ‎المجلد3، ‏منشورات دار المعارف، بيروت 1963)‏
‏ (5) يتعلق الأمر أكيد ببول بورجي ‏Paul Bourget‏ ، عضو الأكادمية الفرنسية حيث نشر الكتاب سنة 1889‏

‏ (6) يتعلّق الأمر بكتاب ‏Traité des sensations‏ (1764).‏

‏ (7) نُشِرَ هذا الكتاب بالأنجليزية تحت عنوان (‏How we think ‎‏)سنة 1910 لكنه لن يُترجم إلى الفرنسية إلاّ سنة 1933.‏
‏(8)‏‎ ‎ألكسي دو توكفيل ‏Alexis de Tocqueville ‎‏ “: المستعمرة الجزائرية، (‏De la colonie en Algérie‏)، منشورات ‏غاليمارد ‏‎ Gallimard‏ ، باريس 1968‏
‏(9) ‏‎ ‎‏”الخيار الثالث”‏‎ La troisième perspective ‎، ” الجمهورية الجزائرية” ‏La République algérienne ‎‏ عدد 13 ‏نوفمبر 1953‏

‏(10) منشورات النهضة ، الجزائر العاصمة 1949‏
‏(11)‏‎ ‎‏ مقال تحت عنوان”الشيخ ابن باديس”، نُشِر على صفحات صحيفة ‏‎«Le Jeune musulman»‎‏ بتاريخ 24 أفريل ‏‏1953. وجدير بالملاحظة أنّ الشيخ البجاوي كان قد نشر كتابا صغيرا تحت عنوان “إرشاد المُتعلِّم” في الجزائر سنة 1877، ‏وهو يحثُّ فيه الجزائريين على تعلُّمِ اللّغات الأجنبية ومُسايرة ركب الحداثة.‏

‏(12) نوربرت تابيرو ‏Norbert Tapiero ‎‏:” الأفكار الإصلاحية للكواكبي”، منشورات العرب، باريس 1956‏

‏(13) ‏‎ ‎عمار هلال:” الحركة الاصلاحية الجزائرية : 1831-1957″ منشورات‏‎ OPU، الجزائر العاصمة 2002.‏

‏(14) ‏‎ ‎‏”من جنيف إلى كولومبو”، “الجمهورية الجزائرية” عدد 07 ماي 1954‏

You may also like

Leave a Comment