بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
“الْعِلْمُ بِلَا دِينٍ أَعْرَجُ، والدِّينُ بِلَا عِلْمٍ أَعْمَى” )ألبرتأنشتاين(
“إذا كان الله هو الكون، فأنا مُؤْمِنٌ بالله. إذا كان الله هو الصيرورة الخلاّقة التي نُطلق عليها اسم “التطوّر”، فأنا مؤمن بالله. إذا كان الله يتمثل في تجربة 13.7 مليار من سنين المحاولة والخطأ التي أفضت إلى إنتاج الفكر، فأنا مؤمن بالله. لكنْ، إذا كان الله راضيا عن الموت والجرائم التي اقتُرِفَتْ منذ بداية الحياة، أي منذ 3.5 مليار سنة، وإذا كان الكون مُصِرّاً على الاستمرار في توليد العذاب والألم، فأنا أعتقد أنّ الإله الوحيد، والقوة الوحيدة التي بإمكانها أن تقودنا إلى حياة أكثر إنسانيةً هي هذه القوة الحاصلة من إدماج طاقتي وطاقتك”( هوارد بلوم “العقل الشامل”Howard Bloom, » » Le cerveau global » ).
إذا أراد المسلمون أن يشرعوا في إصلاح التصور الإسلامي للوجودعلى النحو الذي من شأنه أن يُعيدَ المسلمين إلى طريق التطوّر والمعرفة، وإذا أرادوا أن تسترجع أفكارُهم أصالتها وفعاليّتها التي كانت عليها في عهدها الأول، فعليهم أن يبدؤوا من الأعلى، أي من السّماء، من فهمهم لفكرة الله على ضوء معطيات القرآن الكريم مع تأويلها حسب الإكتشافات العلمية الحديثة.
إنّ الله موجود، والغائب عن التاريخ منذ زمن بعيد هو المُسلِمُ. والله أكبر، والصَّغير مِنْ بين الصغار على وجه الأرض هو المسلم. والله يمنح الحياة من خلال صيرورة عظيمة، والذي يجتثُّها بسهولة مُدْهِشَةٍ هو المسلم. إنّ الله غنيٌّ عن العالمين، ونحن هم الذين يتشدّقون بنوايا الذّات الإلهية لكي نبرّر بها ميولنا إلى السيطرة وفعل الشّرّ في حياتنا العادية دون وعيٍ منَّا.
لقد وضعت أكبر الدّيانات رؤيتين اثنتين لله: الأولى تتمثل في إله الكون، الملك الخالق لكل شيء، والثانية تتمثل في إله الدّهرالذي يُشْرِف على أعمال مخلوقاته في كلّ حين، وهو شديد العذاب تُجَاهَ “الجاحدين” ورحيمٌ تُجاهَ العابدين القانتين.
والإله في صورته الأولى لا يُنَغِّصُ حياة أحدٍ من المؤمنين أو غير المؤمنين على السَّواء، بينما في الصورة الثانية يتحوّل إلى سبب في تفشّي العداوة بين المؤمنين أولاً، وبين المؤمنين وغير المؤمنين بعد ذلك.
فالفطرة السليمة تميل إلى الاقتناع بإله الكون أكثر من ميلها إلى الاقتناع بإله الدّهر.
إذا كانت الكتب السماوية مُوَجَّهَةً إلى البشرية في صورتها البدائية، بشريةٌ لا تمتلك وسائل البحث الفكري، رازحة تحت قوى الطبيعة التي لا حول لها ولا قوّة إزاءها، بل إنها كثيرا ما تعتقد أنّ تلك القوى الطبيعية هي قوى غيبيّة تفرض على البشرية جبروتها، إذا كان الأمر كذلك في الكتب السماوية، فإنّ العلم يكشف عن إله آخر، إله ذي قدرة وعلم غير محدودين حقيقةً، يحب الذكاء، والإنسان عنده مكلف بممارسة عبقريته إلى أن يصبو إلى الإله ويدركه استنادا إلى المعرفة. إنّ هذا النمط من العقيدة لا خيبة فيه، أما العقيدة الموجودة بين طيات الكتب السماوية فقد تعرضت لكثير من الطعن والتكذيب في الكثير من الأحيان.
إنّ الكتب السماوية لمّا نزلت في تلك الأزمنة الغابرة وجدت الإنسان يعيش بدون قواعد قضائية ولا قوانين، ولا أخلاق للتّمييز بين الخير والشّروبين النافع والضّار لصحّة الفرد والجماعة، وبدون أخلاقيات اجتماعية ولا فلسفة ولا علوم. كانت حياته تسير بقانون الأقوى وبالأساطير والخرافات.
ومشيئة الله جاءت لتوجّه الإنسانية وتأخذ بيدها في مسالك الحياة الوعرة وهي لا تزال في طفولتها العقلية، من أجل المحافظة عليها من الضياع. فكان لا بدّ من تبنّي لغة يفهمها ذلك العقل باستعمال التصوير والاستعارات والتمثيل الذي يوحي بدلالات مناسبة، ثُمّ دعوة الإنسان إلى الامتثال للرسالة بممارسات شعائرية خالصة. كان لا بُدّ من التأثير في الخيال، وتوظيف المعجزات كأدلة أحيانا، والترهيب والإلزام أحيانا أخرى من أجل ضمان احترام تلك القواعد الضرورية للعيش في جماعة.
وبَعْدَ مُضَيِّ ردح من الزمن، أي في القرن السابع الميلاديِّ، لمّا كان الإنسان قد قطع شوطا معتبرا في مسالك العقل والإنجازات الأخلاقية والمادية ( مثل قواعد السلوك والحكمة، والعلوم والتقنيات التي أبْلتْ فيها الحضارات القديمة بلاءً معتبرا، والتنظيم الاجتماعي الذي أصبح أكثر تطوّرا، وانتشار عقيدة التوحيد بين الناس) جاء القرآن الكريم متبنّياً لغةً ناطقة بلسان العقل لتحثّ الإنسان على مزيد من التفكير والتقدّم. فـوضع “ذوي الألباب ” في مرتبة أعلى من مراتب الآخرين حتى ولو كان الآخرون من أهل التقوى ومن الشهداء الذين منحوا حياتهم قربانا للعقيدة.
وجاء منهج القرآن معتمدا على مبدإ التدرّج، ففي كلّ مرّة يتقدّم الخطاب القرآنيّ خطوةً في طريق تفسير كيفية تهيئة الطبيعة من أجل تطويعها، وشرح أسرار السلسلة الغذائية من أجل ضمان استمرارية الحياة، وتبيين أنّ كلّ شيء خُلِق من الماء، وخلق الإنسان عبر مراحل أو أطوار في المرحلة الجنينية ووضعه منذ ذاك على سكّة فكرة التطوّر.
إنّ القارئ للقرآن الكريم في ترتيبه الكرونولوجي (الزمني) ينتابه شعور بأنّ هذا الكتاب يكشف عن رسالته تباعاً حسب ترتيب منطقيّ: فهو يبدأ بإخبار الإنسان بأنّه جزء من الخليقة وأنه يحتلّ مكانه في وسط كونيّ لم يَحِنْ أوانُ فهمِهِ بعدُ، ثمّ ينتقل إلى التنبيه إلى أنّ السلسلة الغذائية وحدها لا تكفي للمحافظة على النوع البشريّ بل لا بُدّ أنْ يكون لوجود الإنسان معنى وهدف، وهذه فكرة ستأتيه كرسالة أو كإنباءٍ من الله. وأخيرا يسعى الخطاب القرآني إلى غرس مبدإ المثالية والتجريد في الإنسان من أجل تقوية ارتباطه بالكون ورفع مستوى إنسانيته بإدخال القيم الأخلاقية (الأوامر والنواهي) في حياته، وإلزامه بطقوس وشعائر تُميِّز كلَّ مجموعة بشريَّة في إطار التنوع والإختلاف.
إنَّ تَسلسلَ الآيات والسور القرآنية جاء وفق منهجية محددة: فالله واحد، والحقيقة واحدة، وتاريخ الإنسان ومصيره مشتركان. إنّ القرآن الكريم عندما يُلِحُّ على مبدإ وحدانية الله وشموليته – وهي أقدس القيم في الإسلام – فإنّما يقصد إلى تحرير المجتمعات البدائية من الشّرك وتعدد الآلهة لأن الشرك وتعدد الآلهة يمثلان منهجا يُبْعِدُ الإنسان عن الإستقامة والعلم. ولقد أرسل الله منذ آدم عليه السلام إلى البشرية مَنْ يُوجِّهها في مسالك الطبيعة والعلم. ففي كلّ فترة كان يجتبي من كلّ جماعة بشرية رجلاً يتكلّم بلسانها ليدعوها إلى الالتزام بالسلوك الاجتماعي والأخلاقيّ.
إنّ معالجة ما يكشف عنه القرآن عند قراءته في الترتيب الزمني لا يكفيها كتاب واحد. فهنالك طفرة واضحة بين الجزء الأول من سور القرآن، حيثُ طُرِح معنى الدين الجديد (من السورة1 إلى السورة86، وهي مُنزّلة بين سنتي 610م و622م، هذا الأخير تاريخ الهجرة إلى المدينة)، وجزئه الثاني حيثُ أنزلت العبادات والشعائر ( من السورة 87 إلى السورة 114، وهي مُنزّلة بين سنتي 622م و632م، وهي سنة وفاة النبيّ-ص-). إنّ هذه الطفرة لا تظهر لنا إذا قرأنا القرآن بترتيبه الحالي لأننا ننتقل باستمرار بين السورالمكية والسور المدنية أو من المدنية إلى المكية.
ففي الترتيب الحالي نجد السورة الأولى مكية، وتليها مباشرة أربع سور مدنية، ثمَّ تأتي سورتان مكّيتان تليهما سورتان مدنيتان، ثمّ ثلاث سور مكّية تليها سورة مدنية، ثمّ ثماني سور مكية تليها سورة مدنية فمكية ثم مدنية ثمّ تسع سور مكية تليها سورة مدنية، وهكذا.
إنّ الجزء الأول المُكوَّن من 86 سورة و4613 آية يتميّز بعرض نظرة الإسلام إلى الكون والقيم الأخلاقية والاجتماعية التي يدعو إليها هذا الدين، أمَّا الجزء الثاني فيتكوّن من 28 سورة و1623 آية، ويتميّز بعرض الشعائر التي سيتميّز بها الإسلام عن الديانتين الموحِّدتين الأخريين أي اليهودية والمسيحيّة.
والواقع أنّ الدّين قد لعب دوماً دور القوة التي تضمن الانسجام في الأنظمة الاجتماعية من أجل لمّ الشمل الثقافيّ للأفراد كما تفعل الطاقة النووية عندما تُجمِّعُ الذرات الجزئية في الأنظمة الفيزيائية والبيولوجية. فكلّ الحضارات الحالية هي نتاج الإلهام الدينيّ. وإذا كان الإحساس مَلَكةً ترتبط مباشرة بمصلحة الجنس البشريّ وبالشأن العام وبالإلوهية والعالم الآخر، فإنّ الشعائر هي بمثابة الإسمنت الأخلاقيّ والرابط الاجتماعيّ، وهي بمثابة طاقة خلاّقة للنّمطية والنموذج المعياري الذي يصبو بالتأكيد إلى أن يشمل البشرية قاطبة، غير أنّ هذه الشمولية لم تتحقق لأيّة شعيرة لحدّ الساعة.
إنّ الإسلام الذي هو الدّيانة الوحيدة التي تعترف بكل تفرّعات عقيدة التوحيد، والذي يأتي كتذكير بالكتب المنزّلة السابقة له ويعترف بالأنبياء الحاملين لتلك الكتب، قد جاء كخاتمة لمرحلة الوحي والنبوّة. فلا وجود لكتاب سماوي سابق للإسلام دعا كما دعا القرآن إلى إشراك الإنسان في أسرار الخليقة والحياة.
إنّ الله يحثّ الإنسان على تطوير قدراته المعرفية من أجل التمكّن من تفكيك إبهام العلامات التي تركها الله كمؤشرات موجهة إلى الإنسان. والله يدعو الناس إلى دراسة تاريخ الأمم والتأسيس لفروع جديدة من العلم ( كالجيولوجيا وعلم الإناسة، وعلم الفلك، والفيزياء، والبيولوجياإلخ) من أجل تسليط الضوء على غرائب الخليقة التي ما فتئت تقُضُّ مضجع البشرية، بَدْءاً بأصل الخلق. وكلّ هذا ليس ضربا من الترف الفكريّ، بل إنّ دعوة الإسلام كلها في صلة مباشرة بمصير الإنسان بعد الحياة الدنيا، وهو المصير الذي لم تتضح لنا صورته بعدُ، كما أنها دعوة تتمحور حول مهمة الإنسان ورسالته في الكون، وهو ما لم يتضح لنا بعدُ كذلك.
ولو أنّنا قارنًّا بين شعائر الديانات الموحدة الثلاث لّلاَحظنا أنَّ الإسلام لم يأت بجديد في هذا الشأن: فالإيمان بالله الواحد كان موجودا منذ عهد إبراهيم عليه السلام على الأقلّ، والصلاة شعيرة شاملة لتلك الديانات مع اختلافات في أشكالها، والصّيام شعيرة مارستها الشعوب القديمة، والمسيحيون من بينها، بدليل وجود هذا المفهوم(Carême) عندهم. ومِثْلُ ذلك الزكاة والصدقة، والحجّ إلى مكة المكرمة كان موجودا حتى عند مشركيها. أمّا الحلال من الأكل فهو التزام مشترك بين اليهود والمسلمين.
وكما لم يأت الإسلام بجديد في الشعائر فإنه لم يجدد في المعتقد حيث أنه يعترف بالتوراة والأنبياء اليهود، ويعترف بالإنجيل (بصيغة المفرد لا الجمع) ولا يختلف معه إلاّ في مسألة التثليث.
والإسلام يُذكّر مرارا بأنه ينضوي تحت مِلّة إبراهيم ونهج التوحيد وإلى تيار النبوة السَّامي، ولا يختلف عنه إلاّ في تفاصيل هيّنة ظهرتْ بسبب الانحرافات التي يتحمّل وزرها فقهاء تلك الديانات.
إنّ ما يتميّز به الإسلام هو إضافة النبي محمد (ص) إلى قائمة الأنبياء، وهو ما لا تقبل به الديانتان الأخريان. ومن جهة أخرى فإنّ الاختلاف الذي يُلْفِتُ الانتباه بين الكتب السماوية الثلاث هو الطريقة التي عُرِّف بها الله وَوُصِفَ بها الكون في القرآن الكريم، وهي طريقة تُقِرُّها الروح العلمية لِمَا فيها من واقعية في الطرح والوصف.
فمنذ البداية يُقدِّم القرآن صورة عن الله وما خصَّ به نفسه من صلاحيات وقدرات. وهو تصوير يتهيَّأ للنَّظر والفحص إذ يدعو إلى التأمّل في كيفية تدخّله في الكون. يقول تعالى:
“لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ” (الإخلاص-4،3)،” الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ” (السجدة-7)، “اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ” (الزمر 62)،” خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ “(النحل 3)،“اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” ( النور35)،”سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ” (الأعلى7،6)،”سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ”( الصافات 180)،”وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” (الأنعام59)،“هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”‘( الحديد3).
إنّ فكرة كون الإنسان جزءا من هذا الكون والفاعل الأساسيّ فيه تحتلّ مكانها في إدراك المتلقّي منذ الآيات القرآنية الأولى. ولو كان القرآن من تأليف المخلوقات الأرضية لما وجدناه يربط بين حركية الكون وحياة الإنسان. فكلّ توصيفاته كونية، وهذا ما تؤكده هذه الآيات التي جاءت إرهاصا لنظرية أنشتاين النسبية:
1) سورة الحجر ( الترتيب الزمني 54، الترتيب الحالي 15، الآيتان15،14) واجه مُشركو مكة النبي (ص) في بداية الدعوة بتحدّيهم إياه أن يُنزِلَ من السماء ملائكة تدلّ على صدق دعوته، فجاءت الإجابة من الله لتُنبِّهَ إلى أنه حتى لو فتح لهم بابا من أبواب السماء ليطّلعوا على الله لاستمرّوا في شكوكهم. يقول تعالى: “وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ”. إنّ ما نفهمه من إحدى دلالات هذه الآية هو أنه لا سبيل إلى السفر عبر الكواكب وعبر الكون غير اتخاذ آليات وأسباب لذلك.
2) جاء في سورة السجدة (الترتيب الزمني75، الترتيب الحالي32، الآيات 7،6،5)قوله تعالى: “يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ(5)ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(6)الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ(7)“. في هذه الآيات أصبحت المسألة أكثر إثباتا ووضوحا: فالصعود إلى السماء يتمّ في ظرف زمنيّ غير محدّد، لكن وحدة القياس مذكورة، وهي أنّ 1000 سنة عند الإنسان تساوي يوما واحدا عند الله، أي بـ365.000 ضعف.
3) وجاء في سورة المعارج (الترتيب الزمني 79، الترتيب الحالي 70، الآيتان 4،3):”مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ(3)تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ(4)”. إنّ لفظ (المعارج) في العربية يعني طرق الصعود والتدرّج في طبقات السماء. وفي هذا الشأن يفيدنا القرآن علما بأن هنالك مسالك خاصة لعروج الملائكة والروح، ووحدة القياس تتغيّر لتصبح: 50000 سنة عند الإنسان = يوما واحدا عند الله، أي بـ18.250.000ضعف..
4) وجاء في سورة النَّبَأ (الترتيب الزمني80، الترتيب الحالي 78، الآيتان18-19)”يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا(18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا(19)“. في الآيتين تصوير لقدوم الساعة، حيث تفتح أبوابٌ في السماء يعرج الناس من خلالها (دون ذكر ما إذا كانوا سيصعدون بأجسادهم أم بأرواحهم أم في شكل ذرّات).
ما هي القيم التي تشير إليها السورتان الثانية والثالثة؟ هل المقصود هو سرعة تنقّل الكائنات البيولوجية ذات الكتلة- أي الكائنات البشرية – وسرعة تنقّل الكائنات غير البيولوجية – أي الملائكة والأرواح والأنفس التي لا كتلة لها ؟ وأنّى للإنسان أن يحقق هذا الصعود بغير مركبات فضائية ؟ وماذا تعني (أبواب السماء) و (مسالك العروج) التي لا تعدو أن تكون صورا بسيطة في نظرنا ؟
الحقيقة أنّ هذه العبارات إحالات مؤكدة على وجود (ثقوب) في الفضاء سمّاها كلٌّ مِنْ ألبرت أنشتاين وناتان روزن بـ (“ثقوب الدود”، trous de ver) منذ سنة 1935، وهي اليوم تسمّى باسم هذين الباحثين: Ponts d’Einstein-Rosen. وقد تكون هذه الثقوب ممرات تختزل المسافات عبر “معقوفة المكان والزمان” من أجل التنقل بسرعة الضوء ـ أي 300.000 كلم في الثانية – أو الخروج كُلِّيّاً من كوننا إلى كون آخر.
إنّه من غير الممكن للإنسان أنْ يخرج من مجموعتنا الشمسية، أو مِنْ درب التَّبَّانة( (galaxie، دون وجود تلك الأبواب في السماء، ذلك أنّ المسافات شاسعة فوق التصوّر ( فهي تقاس بالسنوات الضوئية، والسنة الضوئية تساوي 10.000 مليار كلم). إنّ هذه المعضلة، وتضاف إليها معضلة المادّة السوداء والطاقة السوداء، من بين المشكلات الأساسية التي يواجهها علم الفيزياء في القرن الواحد والعشرين. إنّ كلّ ما يعرفه اليوم علماءُ النازاNasa( وفيها علماء مسلمون، بل وحتى جزائريون)، والباحثون في أكبر الجامعات عبر العالم، هو أنّ هذه “الثقوب ” ليست شبيهة بـ “الثقوب السوداء” التي ثبت وجودها وحُدِّدَ عددُها (100 مليون ثقب في مجموعتنا الشمسية وحدها)، إنما هي عبارة عن إمكانات أو احتمالات رياضية، أو هي أنفاق تنفتح ثمّ تختفي في فراغ الأجرام، بل إنّ التفكير جارٍ في إمكانية “خلق” تلك الثقوب حتى و لو كنّا نجهل إلى أين قد تصل بنا.
إنّ العامّة من المسلمين تجهل تماما ما سيكشف عنه العلم والتكنولوجيا في المستقبل. فالكون بالنسبة لها يُخْتَزَلُ في أرضٍ تعلوها قُبّة لا نراها، وخلف القبة إلهٌ يرْقُبُ أفعالنا وحركاتنا ليُحوِّلها إلى جزاء أو عقاب. وبيننا وبين هذه القبة يوجد عالَمُ الجِنِّ الذي فيه أهل الخير وأهل الشّرّ، وإبليس أبرز هذه المخلوقات، وهو عدوّ الله اللَّدُود، كما أنه هو الذي يُسوِّلُ لنا فعل السّيِّئات.
إنّ هذه الصورة عن عالمٍ مُقَزَّم يعيش الإنسان فيه في تجاذب بين عبادة الله وغواية الشيطان، عالم تعاقب فيه 80 مليارا من الكائنات البشرية التي لا هدف لها إلاّ أنْ تولد لعبادة إلهٍ يتتبع كلّ صغيرة وكبيرة، ثُمَّ تموت وهي خائفة من يوم الحساب، هذا العالم لم يعُدْ مُوافقاً للعقل و الفطرة السليمة le bon sens وللعلم الحديث. فلا بُدَّ من مُراجعة هذه الرُّؤية الكاريكاتورية.
أيُعْقَلُ أن يكون هذا الإله الذي وضع آليات خلق الحياة، وخَلَقَ الكون في أعجب صورة، أيُعقل أن يكون نرجسيًّا ومُقدِّراً لكلِّ أفكارنا وأفعالنا، ومتجسسا على كلّ انزلاقاتنا وإغواءاتنا؟ أيُعقل أن يستخفّه هوى أو يُسرع إلى الغضب، أو أن يكون حقودا وانتقاميا؟ إنّ هذا الإله يتجلّى في إتقان خلقه الذي لا يُعدّ ولا يُحْصى، كما يتجلّى في تلك “الثوابت العامة” التي حددها، وفي القوانين المعقّدة التي أخضع لها الأحياء والجماد، وفيما لم نعلمْ بَعْدُ. ذلك أنّ ما نعلمه عن الكون أو عن السّنَنِ الوراثي (الجيني)- على سبيل المثال – لا يُمثِّل إلاَّ 5%من إجمالي الموجود فعلا.
من غير المعقول أن يكون الله قد خلق كلّ ذلك من أجل تفاهة كهذه. لا يُعقل أن يكتفي الله بالتجلّي خُفيةً من حين لآخر عبر معجزةٍ أو رؤيا، أو أن يتلهى بترقب حركة الشيطان في لعبة كلعبة الغُميضة (كاش كاش). فليس في الكون شياطين تعرقل نظامه، ولا فوضى تتسبب فيها قوى الشَّرِّ. ليس في الكون غير قوى تنضوي تحت نظامه هو.
ومع أنَّ كيان الله معرّف بشكل تعميميّ حتى في النص القرآني ( له يدان، وهو يتكلّم، وجالس على العرش)، فإنّه يبقى كيانا لا يمكن إيجاد تصوّر له في الفهم البشريّ. يقول تعالى: “وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ”(الزمر، الآية 67).
إنّ الديانات السماوية تنطوي على نصيب من العلم، أما اليوم فإن العلم قد بدأ ينطوي على قدر من الإيمان. وإذا كانت الديانات مبادرة من الله أراد بها إخراج الناس من حيوانيتهم فإنَّ العلمَ مبادرة من الإنسان يصبو عن طريقها إلى التقرُّبِ من الله، ذلك أنّ الإنسان قد بلغ مستوى يسمح له بصياغة تصوّرٍ حول الله بفضل الكشوفات التي حققها علم الفلك وعلم الفضاء والأستروفيزياء والفيزياء والرياضيات وعلم الميكانيكا الكميّة mécanique quantique والبيولوجيا وعلم الأعصاب البيولوجي neurobiologie وعلوم الجزيئات nanosciences…إلخ، وهذا رغم أنه لم يتمكّن من الإجابة عن كل الأسئلة التي كانت تطرحها الميتافيزيقا والتي أصبحت اليوم من اختصاص العلوم. إنّ التطوّر الذي حدث جاء ثمرةً للعلم، لكن العلم لا يتقدّم إلاّ إذا تحرّر من النظر إلى الكون بنظرة تُقيِّدها ثوابت غير قابلة للتغيير dogmes immuables وتعرقلها حواجز موضوعة في طريقها.
لقد نظر المؤمنون في كل الديانات شزراً إلى ما يُنسب إلى الفلاسفة والعلماء من إنكار لوجود الله ورفض لمبدإ التجريد وثورة ضد الخالق. أمّا العلم فقد اعتبر من جهته أن كلّ ما لا يمكن تفسيره هو من ثمار الصدفة. وكان علم الفيزياء والميتافيزيقا متنافرين لأنّ الفيزياء كان رصيدها المعرفي غير كافٍ لتفسير كلِّ شيء، ولأنّ الميتافيزيقا لم تكن تستطيع تفسير الظواهر تفسيرا عقليّاً. ولم يكن هذان الحقلان المعرفيان يعرفان أنهما أخوان تربّيا منفصلين ومتباعدين. إنّ الديانات لم تكن تنشغل بالكيف، بل كانت تكتفي بتفسيرات مبهمة وصوفية في معالجة العلل والأسباب، أما العلم فكان يتطوّر في اتجاه فَهْمِ الكيف دون الاهتمام بالعلل والأسباب.
إنّ هناك نصيبا من الحقيقة في كلٍّ من هذين الاتجاهين اللذيْن يمكن تسميتهما بـ (نظريتي المعنى)، وبقي الأمر كذلك حتى جاء اليوم الذي التقيا فيه واتفقا حول مسألة الكيف. كان ذلك بفضل جهود “عالم” يستحقّ هذا النَّعتَ، هو القُسّ البلجيكي جورج لوماتر(L’abbé Georges Lemaitre )رائد نظرية “الذرّة البدئية”(atome primitif)و”الإنفجار الكبير”(البيغ بانغ Big bang) واتساع الكون. وبعد ذلك بأجيال عديدة ظهر “علماء” مسلمون مُزَيَّفون وراحوا يشرحون لأتباعهم المبهورين أنّ القرآن كان له فضل السبق في ذكر البيغ بانغ استنادا إلى “كن فيكون”.
في وقت سابق كنّا نظنّ أن حجج العلم قد انتصرت على الخطاب الدينيّ ودحَضَتْهُ، لكن سرعان ما تبيّن أنّ ذلك خطأ، إذ عمَّ إشعاع جديد في بداية الألفية الثالثة عندما التحم التياران، وراح أحدهما يعبِّر عن رؤيته بالاستعارات والأسلوب غير المباشر وبالحدس والنظرة الصوفية، وراح الآخر يعبّر عنها بالحسابات الرياضية والنماذج النظرية والملاحظة والتجريب. وبإزاء الحقائق التي وضعها العلم والفرضيات التي يسارع دوما بإخضاعها للتجربة (كالمادة السوداء، والطاقة الداكنة)، بإزاء هذا لم يعُدِ المسلم يشعر بأيّ اضطراب، بل أصبح يجد في كلّ اكتشاف جديد تُحَقِّقُهُ كلّ نظرية جديدة نوعا من الإثارة والتحضيض لأنّ القرآن الكريم يزخر بمؤشرات البحث وسبله. يقول باستور Pasteur :”قليلٌ من العلم يُبْعِدُنا عن الله، و كثيرهُ يُقَرِّبُنا منه “« Peu de science éloigne de Dieu, beaucoup en rapproche » .
لقد أصبحت الميتافيزيقا والفيزياء متكاملتين، فإذا كانت الأولى قد كشفت عن الحقائق فإنّ الثانية قد بدأتْ تبرهن على تلك الحقائق بالأدلّة. الميتافيزيقا سلكت سبيل الحدس، والفيزياء سلكت سبيل البرهنة. فمنذ أنشتاين أصبح الاعتقاد سائدا بأنه من الضروريّ أن يتسلّح العلم بـنظرية شاملة توحِّد بين القوانين التي تتحكم في الذرَّات الجزئية والأجسام الكبرى على السَّواءِ (الكواكب، النجوم، المجرّات)، وذلك من أجل أن تكون لهذا العلم مصداقية. والوضع نفسُه بالنسبة للأديان، إذ يمكن الحكم بأنه من أجل تحقيق المصداقية يجب أن تكون الأديان كلّها منسجمة، ليس في العقيدة والمبادئ العامّة dogme – فلم تَعُدْ لذلك أيَّةُ أهمّية – ولكن في كيفية معالجة شؤون الإنسان والقيم التي يجب أن تُسايرها في المستقبل.
لقد كتب الرَّاهب الفرانسيسكاني، والعالم بحقّ، روجي بيكون (Roger Bacon)، في رسالته الشهيرة التي عنوانها “رسالة حول عظمة الطبيعة وتفاهة السِّحر”، وهذا منذ ما يقارب تسعة قرون، كتب ما يأتي: ” سيأتي يوم تُصْنَع فيه مركبات لا تحتاج إلى جدّافين، يقودها رجل واحد، تمخُر العُباب كما لو أنها سفن بحار أو أنهار، بل إنّها قد تكون أسرع من تلك التي يسيّرها الجدَّافون. ستُصنعُ سيارات لا تحتاج إلى حيوان يجرّها وتتحرّك بقوّة هائلة، وآلات طائرة يكفي أن يمتطيها رجل واحد بإزائه تجهيزات عجيبة ليطير بها ويجوب الآفاق مثل الطّائر، وستصنع أدوات صغيرة الحجم لكنها تكفي لرفع وإنزال أثقل الأشياء، كما ستُصنع إعدادات يمكن بها أن نمشي فوق الماء أو نغوص فيه بدون أيِّة خطورة “.إنَّ هذه الأسطر كُتِبَتْ سنة 1260م، وقد تعرَّض صاحبُها للسجن بتهمة “الاختراعات المُريبة” ومُنِعَتْ كُتُبُهُ.
وللعلم، فإنّ روجي بيكون كان يُتقن اللغة العربية، وقد أخذ علمَه عن ابن الهيثم وابن رشد خاصةً، وهما عالمان ورثا نظرة إلى الله هي أصحُّ بكثير من نظرة علمائنا اليوم.
هل بإمكاننا نحن أن نتنبَّأ بما سيقوم به الإنسان بعدنا بتسعة قرون؟
إنّنا حديثو العهد بعالَم الإختراع والتكنولوجيا لأننا لم نعرفهما إلاّ منذ أقلَّ من قرن واحد: كيف سيكون العلم بعد 900 سنة؟ لا شكّ في أنَّ الإنسان سيكون قد استوطن الفضاء والتقى بحضارات ذكيّة أخرى واستعمر العديد من الكواكب، وسيحدث تغيير في بنيته الجسمية. وأكثر من هذا فهناك حديث شريف يقول ما فحواه أنّ الإنسان سيتمكن من “الاطّلاع على ما وراء العرش”.
لو أننا غيّرنا نظرتنا إلى الله بفضل تفسير جديد ومتماشٍ مع المعارف الحديثة، ولو أننا راجعنا أفكارنا الموروثة والبالية، فإنّ سلوكنا فيما بيننا ومع غيرنا سيصيبه تحسّن كبير. سيعلو شأننا وسنصبح أهلا لإسلامنا الذي تعرّض لدمار أنزله إلى رتبة التخريف والمتاجرة بالدين والتحايل مع الله لجمع “الحسنات” والفوز بالحياة الأبدية للتمتع بعيدا عن كل الهموم.
إنّنا لا نتطاول على الله بهذه التساؤلات، ولن يحدث شيء في السماوات بسببها. إنّ الله لن يُسَلِّطَ علينا عذابه ولن يُخْرِج عزرائيلُ عصاه ليشبعنا ضربا. كلّ ما يمكن أن يحدث هو أنّ تصوّرنا لله سيكون أحسن وأجلّ من تلك الصورة التي يقدّمها عنه العلماء وهم أميل إلى تقديم الله في صورة فَظَّةٍ وبالية. وعلى كلّ حال فإنّ هذه الصورة هي نتاج دراسة القرآن الكريم بالترتيب الذي نزل به. والله أعلم.
« Le Soir d’Algérie » du 15 décembre 2014
موقع الجزائر اليوم 08 ديسمبر 2016
