Home فكر مالك بن نبيباسم القانون

باسم القانون

by admin

ترجمة بوكروح وليد

جاء البيان الذي أصدره الجنرال توفيق بمثابة شهادة تهدف إلى تبرئة مساعده السابق وذراعه الأيمن. لكنه عَبَّرَ في نفس الوقت عن رغبة كاتبه بأن لا يُؤَوَّلَ بقراءات مختلفة عن تلك التي أرادها له. فالجنرال وضَّحَ في ختام رسالته: “أتمنـّى ألاّ يُفضي تسلّلي الإعلاميّ هذا، وإن كان يشكّل سابقةً، إلى تعليقات من شأنها أن تُحرّفَه أو تحوّلَه عن الهدف المقصود”. بما أنه لم يتسنى له الإدلاء بشهادته أمام المحكمة، وبعد أن ” استنفذَ كلّ الوسائل القانونية والرسمية”، ارتأى إذاً قائد المخابرات الأسبق أن يشهد أمام الرأي العام، لكن طالبا منه في نفس الوقت ألا يفرط في التأويلات تجاه شهادته. 

كما لو كان الفريق حريصا على أن يمسك بالعصا من الوسط، وأن يتموقع على مسافة متساوية تماما بين هيكل اجتماعي لم يسبق له أن ادَّعَى الانتساب إليه، وبين “النظام” الذي أبعده بطريقة مهينة وأَوقَعَ “الظلم” على مقربيه من رفقاء السلاح. 

أما نحن فنجهل ما هو هذا “الهدف المقصود” والمدىً الذي تصلُ إليه أبعاده، وبالتالي لا يمكننا أن نختصر قراءة الرسالة على النحو الذي يدعونا إليه صاحبها، ونتظاهر بالعمى مثلاً عندما نصادف في طياتها رسالةً مشفرة بين السطور. فبيان الفريق يحمل من المعاني وراء السطور أكثر مما يحمله فيها. والرسالةتؤكد لنا بالبرهان أن إدانة الجنرال حسان ليست في الواقع إلا عملا انتقاميا أو تعسفا في استعمال السلطة من قبل جهة على حساب جهة أخرى. 

يبدو أن بوتفليقة، العائد من فرنسا التي يعالج فيها منذ جلطة 2013، قد يصاب بجلطة أخرى جديدة بسبب خرجة الجنرال توفيق هذه والتي أزالت في جرة قلم الضباب الذي كان يختبئ فيه أعلى هرم الدولة الجزائرية. كل شيء أصبح واضحا فجأة: فضائح الرشوة، شكيب خليل والعهدة الرابعة أثارت فعلا الفتنة في غياهب السلطة، وقسمت أعلى هرم الدولة وكذا القيادة العسكرية العليا. فما نشهده اليوم من أحداث هو مخاض عسير يجرى في رحم “نظام” عودنا على صراعات داخلية سرية، لا تخرج أبدا إلى العلن أو تصل إلى التنابز عبر الصحف. 

هذا ولم يكتفي الجنرال توفيق بتقديم الدليل الذي يبرئ الجنرال حسان عندما تحمل بنفسه المسؤولية السُّلمية والقيادية(ونحنندرك أهمية هذا المبدأ في القانون العسكري). بل نفى أيضا وجود تهمة تقتضي أن يحاكم بسببها أحد، لا حسان ولا غير حسان. فرفع بذلك عن القضية (التي لا نعرف عن محتواها شيئا) كل سند قانوني عندما أكد أنه لم يحدث ” إخلال بالتعليمات العامة”. يمكن إذا أن نترجم فكرة توفيق إلى النحو الآتي ” لو بحثتم عن متهم في هذه القضية يجب عليكم التوجه إليّ وليسإلى الجنرال حسان.فأنا من أعطاه الأوامر التي نفذها هو محترما جميع تعليماتها العامة”. 

خرجته هذه التي لا تخلو من المروءة شبيهة بسيناريو فيلم يُعاقب فيه بريءٌ على تُهَم لم يرتكبها، قبل أن يفاجئنا المتهم الحقيقي بالاعتراف بدله في وقفة شجاعة وغير منتظرة. 

“الهدف المقصود” عند الجنرال يتلخص في هذه الفقرة “الأمر المستعجَل اليوم يَكْمُن في رفع الظلم الذي طال ضابطا خَدَم البلد بِشَغَفٍ، وغسل شرف الرجال الذين عملوا مثله بـإخلاص تامّ من أجل الدفاع عن الجزائر”. بصريح العبارة إذاً يطالب بإطلاق سراح الجنرال حسان على الفور، ومعه بالمناسبة أيضا ضباط سامون آخرون تلطخ شرفهم. من هم هؤلاء؟ الجنرال بن حديد؟ الجنرال مجدوب؟ قوافل الجنرالات والعقداء الذين طردوا من المخابرات بعد رحيله؟

إذا كانت رسالة الفريق تطلعنا على وجود “هدف مقصود”، فإنها في المقابل لا تدلنا على ما يجب القيام به من أجل الوصول إليه. فما هي إذا الخيارات المتاحة الآن؟ حكمُ براءة تصدره الهيئة القضائية عند الاستئناف؟ عفو رئاسي؟ عندما ننظر إلى الأمور بمنطق قانوني بحت فإن أول ما يتاح من الخيارات هو إخلاء سبيل الجنرال حسان واتهام الفريق توفيق بدله. حيث ينسبُ التصريحُ الذي برّئَ به مرؤوسَهُ، التهمة التي أدت إلى محاكمة حسان والحكم عليه، إلى توفيق شخصيا بدله. 

ثاني الخيارات المتاحة هو إسقاط التهم وإيقاف الدعوى، وهو ما سيلقي في هذه الحالة بالتهمة إلى الجهة التي تابعت الجنرال حسان قضائيا. وبما أن هذه الجهة لا يمكن أن تكون إلا نائب وزير الدفاع، فإن قايد صالح يمكن أن يجد نفسه خلف القضبان بتهمة “التآمر”. لكن نائب الوزير بدوره ليس إلا مساعدا لوزير الدفاع الذي ما هو إلا رئيس الجمهورية، والذي يمكن إذا أن يجد نفسه في وضع الفريق توفيق اليوم، ما قد يدفعه ليهب بشجاعة وبسالة إلى تحمل المسؤولية بدل مرؤوسه القايد صالح وبالتاليالقبول بالخضوع بنفسه لعواقبها. 

النظام الذي ساهم الفريق توفيق بصفة كبيرة في تأسيسه والحفاظ عليه تخلى اليوم إذا عنه، وانقلب عليه بأمر قواعد سيره الداخلية التي لا ترحم. واليوم لم يجد الفريق إلا بقايا حرية الصحافة، التي يدافع عنها الصحفيون منذ التسعينيات ببسالة، ليحتج على الظلم الذي وقع على أحد مقربيه، وقد يقع عليه هو أيضا في يوم ما. هذه البقايا، لو سُمحَ لها أن تكبر وتتطور مع الديمقراطية الناشئة في ذاك الوقت، كانت ستتمكن من القضاء على هذا النظام البشع. ومهما كان حجم هذه البقايا اليوم صغير، فهي التي يمكن أن تمنع غدا تَحَقُّقَ حلم سعداني بتسليم الفريق توفيق إلى المحكمة الدولية، بتهمة اغتيال بوضياف أو رهبان تيبحيرين، أو لا أدري من وماذا أيضا. 

نزار، توفيق، زروال وآخرون بالزي العسكري والمدني ممّن تبقى من مهندسي “النظام”، يجب عليهم أن يفكروا مليا ويتأملوابإمعان، في الأخطاء التي ارتكبوها تجاه الوطن وفي دوران عجلة التاريخ. يجب عليهم أن يعترفوا بما اقترفوه وأن يسعوا لإصلاح أخطائهم عبر مواقف وأعمال تشرفهم وتتعدى مصالحهم الخاصة أو مصالح جماعتهم. 

ليس لهم الحق في السكوت عما يجري والتنعم “بتقاعد هنيء”، فالبلاد لا تنعم اليوم بالهناء ولا تمر بأيام سعيدة هادئة. أنها تواجه خطر التصفية النهائية على يد الأشرار الذين جاءوا بهم ووضعوهم في مناصبهم وأخلوا السبيل أمامهم، ووضعونا نحن بين أيديهم “مسلمين مكتفين”، تحت تهديد بنادقهم وزنزاناتهم. يجب عليهم أن يقولوا الحقيقة للأمة، حتى لو كان ذلك على حساب حياتهم أو ثروتهم إن أرادوا أن يحظوا بالاحترام اليوم في حياتهم، أو غدا بعد مماتهم. 

القائمة تضم اليوم اثنين من الضباط السامين، نزار وتوفيق، انتفضا ضد قرار المحكمة العسكرية، ويواجهان خطر المتابعة بتهمة التعدي على “سلطة الحكم القضائي”. يمكن كذلك أن يتهما بخرق “واجب التحفظ”، هذا المبدأ الذي صار اليوم حجة تتحدث بها أفواه اللصوص والمجرمينوالمحتالين، ولعبة في أيديهم يُخرسون بها الشهود، “عفسة” يقيدون بها الضمائر لمنعها من التحرك لإنقاذ بلد في خطر. 

الآن وقد خطوا الخطوة الأولى وتجاوزوا حاجز الصمت، لابد عليهم أن يواصلوا حتى نهاية الطريق. “هدفهم المقصود” لا يجب أن يكون إنقاذ الجندي حسان و الجندي حسين فقط، بل إنقاذ الجزائر و جميع أبنائها من الشياطين التي أحكمت قبضتها على رقابهم. ليس المهم إنصاف جندي بريء، بل المهم هو إنقاذ البلد المهان المغتال المضطهد. كل من بقي له ذرة من السلطة المعنوية والمصداقية السياسية والوطنية المخلصة، يجب عليه أن يشجب السياسة الراهنة بكل ما أوتي من قوة، بصفتها خطرا على المصلحة الوطنية، واغتيالا للبلد ومستقبله. أنا شخصيا أعتبر أن كتاباتي اليوم وأمس هي المساهمة التي أقدمها في عملية الإنقاذ هذه. 

معركة اليوم واضحةُ الأطراف والمَعالم لا غبار عليها: حب الوطن ضد الخيانة، الحس الوطني ضد اللصوصية، الشرف ضد الحقارة والنذالة. سمعنا منذ أيام وزيرا يفتخر في قلب المجلس الشعبي الوطني بكونه “لصا يجلس في حكومة لصوص”، وسمعنا رئيس المجلس يسانده قائلا ” لص لكن لص بشرف”. هذا هو ما وصلت إليه الجزائر. وهذا ما وصل إليه برلمانها الذي يضع القوانين التي تسير بها. شكيب خليل في طريق إعادة الاعتبار اليوم وقد يعود غدا إلى الحكومة أو إلى أعلى من الحكومة.

ضباط القيادة العليا للجيش من أمثال نزار وتوفيق هم من وضع الجزائر في الوضع السخيف الذي توجد عليه اليوم، وهم من تسبب في إعادتها إلى التبعية الكاملة للخارج. يجب عليهم إذا أن يتحملوا المسئولية كاملةً اليوم قبل الغد، فورا وحتى النهاية، حتى لو كان ذلك على حساب “تقاعد هنيء”. ليس لهم الحق في أن يكونوا جبناء، أو أن يختبئوا تحت غطاء الانتساب لجيش التحرير وثورة نوفمبر، أو أن يسكتوا أمام اغتيال الجزائر التي تركوها فريسة للصوص والحقارةوالنذالةوالخيانة

سلطة القانون، القانون لا يحمي المغفلين، القانون فوق الجميع… ماذا بقي من معنى لهذه العبارات التي نسمعها كل يوم على لسان المسئولين السياسيين والعسكر؟ لا شيء… الكل يعرف ما هي البلدان التي تسير حقيقة بالقانون، وكيف يحترم فيها ولايمكن لأحد الدوس عليه. جميعنا يعرف الدول التي يقف القانون فيها فوق الجميع، وفوق الذين يضعونه ويسهرون على تطبيقه أولا قبل الآخرين. أما في الجزائر فاللصوص والطغاةوالعاجزون هم من يغرد باسم القانون صباح مساء، وهم من يحركه ويستعملهلفعل ما يريد دون قيد أو رادع. القانون بين أيديهم سلاح فتاك يُسكتونَ به المعارض والمحتجوالضحية.

توجد في اللغة الفرنسية عبارة تشير إلى أولئك الذين لا يحترمون القانون ويدوسون عليه من المستبدين وكبار اللصوص: «Ils font la loi!» هكذا يجب أن نرى مفهوم القانون في الجزائر. قانون يطبق في حالة ولا يطبق في أخرى، حسب الرغبة ووجه الزبون. سلاح بين أيدي الأقوياء يبقون به الآخرين بعيدا، يضمنون به الحصانة لأنفسهم وينتقمون به من آخرين. إنه قانون الغابة وقانون العصابات. القوانين التي انحدرت من اغتصاب أمّ القوانين، الدستور، ليست قوانين وإنما مجرد مراسيم فارغة وقرارات جائرة، لا تفوق قيمتها الحبر والورق اللذان كتبت بهما.

أين يسكن القانون؟ من الذي يحركه؟ لماذا اعتَقَلَ القانونُ الجنرال بن حديد وترك مدني مزراق والمسئولين الذين تتردد أسمائهم في صفحات الجرائد منذ سنوات كلما جاء الحديث عن فضائح الرشوة؟ القانون لا يسكن في أروقة المحاكم، فهناك ينفذ فقط حسب ما يريده أو يأمر به “النظام”. كذلك القانون ليس الورق المكتوب الذي يسمى قانون العقوبات أو الإجراءات المدنية أو العسكرية. القانون الحقيقي الفعّال والعادل يسكن في ضمائر المواطنين الحقيقيين، في الأمم الحقيقية أينما وجدت، وفي جينات الشعوب التي تستحق فعلا أن تسمّى شعوبا. 

الحارس الحقيقي للقانون ليس الأوراق التي تطبع عليها مجلداته، ولا الجريدة الرسمية، ولا محلات الدولة أو مقر وزارة العدل. بل هو ضمير كل الرجال والنساء مدنيين كانوا أم عسكر. عندما يسكن القانون هناك لا يمكن تحريكه أو اغتصابه أو الدوس عليه. يُصبحُ محميا من جور المستبد ومن حيل “جحا”. هذه الضمائر هي التي تنتفض ضد من يخرقه بالتظاهر في الشارع، وهي التي تقلب جمهوريات اللصوص بالثورات.

اغتصاب أم القوانين الذي فتح أمام الرئيس في 2008 أبواب عهدة ثالثة كانت ممنوعة عليه، سمح به الخلط المتعمد بين مبدأ الحق في المبادرة بتعديل الدستور الذي هو من صلاحياته، وبينمبدأ سلطة صياغة الدستور التي يرجع الحق فيها إلى الشعب. عندما يمنع القانون عن شخص ما شيئا ثم يتيحه له في اليوم الموالي هل يبقى يفي بالمتطلبات الأساسية التي يجب أن تتوفر في أي قانون، وهي أن يكون عاما، شاملا، فوق المصلحة الخاصة وفي خدمة المصلحة العامة وحدها؟ اليوم يجب باسم القانون، باسم الشعب أو باسم الله، وبأي ثمن كان إيقاف الانحراف القاتل الذي سوف تنتهي البلاد على يده. 

هذه الأفكار، أفكاري منذ الأبد، يعرفها الجنرال توفيق جيدا لكونه سمعها على لساني عدة مرات خلال التسعينيات في سر مكتبه، أو لأنه قرأها تحت إمضائي في الصحف قبل ذلك وبعده. يمكنه أن يشهد أني كنت أتكلم معه عندما كان في أوج سلطته كما أتكلم اليوم في كتاباتي أو على شاشات التلفزيون، لأعبر له عن عدم موافقتي على الخيارات والسياسات التي كان هو وغيره من أصحاب القرار يضعونها ويمثلونها. وهو يتذكر أيضا جيدا ما قلته له عن قرارهم بتتويج بوتفليقة، كما يعلم أيضا الأسباب التي جعلتني أقبل بالالتحاق بحكومته.

حكاية لافونتان “الأسد العجوز” تروي قصة ملك الغابة الذي بلغ به العجز والضعف ما جعل حيوانات الغابة تتلذذ بالانتقام منه والتشفي فيه كل بطريقته: هذا يعض وذاك ينطح والآخر يخدش. وعندما جاء الحمار ليصكه صاح الأسد في وجهه: “كنت أتمنى الموت، أما الآن وقد تجرأت حتى أنت على فكأني أموت مرتين”. من هذه الحكاية استنبطت عبارة فرنسية تشير إلى أن الأقوياء عندما يسقطون فإن خدمهم السابقين هم أول من يسارع للإجهاز عليهم. هذا ما سيواجهه حتما “رب دزاير” في “الدوار” الذي يسمى الجزائر، أين ازدهرت وتكاثرت سلالة الحمير حتى لم يجد حارس الإسطبل من أين يبدأ وأين ينتهي… إلّا إذا…

لوسواردالجيري 08 ديسمبر 2015

موقع الجزائر اليوم 13 ديسمبر 2015

You may also like

Leave a Comment