ترجمة عبد الحميد بن حسان
” ليست السياسة إلاّ طريقة لتحريك الشعب قبل استغلاله” تاليران Talleyrand)).
خصّصتُ إحدى المقالات الأولى من هذه السلسلة لمحاولة تخيّل ما سيحدث لبوتفليقة وللبلاد لو أنه لم يترشّح، وكانت المقالة تحت عنوان: “ماذا لو لم يترشّح؟». ولو أنّنا في مكان آخر من السنوات أو من تاريخ البشرية أو من بقاع الأرض كلّها، لما كلّفنا أنفسنا عناء التوقّف عند هذا القرار (أي عدم الترشّح) الذي يُفترض أن يكون من البديهيات لو تعلّق الأمر بشخصٍ عادي في بلدٍ عادي.
لكن التقاليد عندنا تقتضي ألاّ يُغادر الحاكم السلطة إلاّ إلى قبره أو تحت ضغط الأحداث. فعدم الترشّح شيء يستعصي على الخيال، وهذا هو السبب في أنّنا نعتقد أنه قرار لا يتّخذه إلاّ رجال من طينة عمر بن عبد العزيز أو ديجول.
عندما أعلن بوتفليقة عن ترشّحه سنة 1998 ابتكرتُ كلمة “الشّقاق” (dissensus) كنقيض للكلمة التي رافقتْ ظهوره على الساحة، وهي كلمة “الإجماع” (consensus). فماذا عسانا نبتكر اليوم كي نصف موقف المُحيطين به ـ فهو نفسُه لم يعُدْ يتكلّم ـ والذين يُريدون إقناعنا بأنه الرجل الصالح الوحيد على أرض الجزائر، وأنه أخرجنا من الظّلمات إلى النّور، وأنّه الوحيد الذي يستطيع أن يضمن لنا السّلم والخبز والغيث، وأنّه صديق الأقوياء ووليّ الله، وإذا لم يكن كلّ هذا كافياً، فهو يستحق علينا احترام الأبوّة، وهي الحُجّة التي استعملها بلخادم (الوزير الأول) بمهارة كبيرة مؤخّراً. لم يتركوا في كياننا البائس شياً إلاّ حرّكوه ومخضوه، إذ راحوا يُداعبون فينا عقدة التبعية، وإيماننا بالغيبيات وصلة الرّحم والرحمة، وكذا الخوف من الانتقام بعد 17 أفريل…
ورغم ذلك كلّه فإنّ بوتفليقة لم يكن يحقّ له أن يترشّح لعهدة جديدة بالنظر إلى وضعيته، وكلّ الحجج التي قدّمها للدّوّار بنفسه لكي يبرر خرقه للدستور لم تكن إلاّ حكايات للأطفال أو المتأخرين ذهنياًّ. فالحقيقة تقول إنه رجل مريض، ولم يعُدْ بإمكانه أن يؤدي مهامّ في مستوى الرّئاسة مهما قاله بواسطة رسائله أو عن طريق ظهوره الظرفيّ على شاشة التلفزيون في مشاهد صارت تُمثل عذابا كبيراً عند الجزائريين المُهانين والمُضطرين للقبول برؤية رئيسهم يؤدّي أدواراً تمثيليّة لإيهامهم بأنه في صحّة جيّدة. إنّ كلّ يومٍ يمرّ هو بمثابة نقصان مما تبقّى من صحّته، فذلك هو قانون الطبيعة: وأعمارنا رهينة صحتنا، ونحن نتجه إلى الشيخوخة والهرم، لا إلى الشباب.
لم يَعُد الآن أي شيء ذا أهمّية لأنه فَعَلَهَا. والشيء الوحيد الذي قد يُفيدنا إذا حاولناه هو النظر إلى المستقبل كي نتخيّل النتائج المباشرة والمستقبلية لهذا القرار المرتبط بفكرة غير مقبولة هي القبول بتعريض مستقبل أمة فتيّة للخطر من أجل إشباع رغبات جموحة لشيخ فاقدٍ للأهلية بسبب مرضه، وهو لا يتقبل مصيره بأن تكون نهايته الخروج من السلطة. فبعد الصدمة التي أُصِبنا بها عند ترشّحه نحن نتوقع صدمةً أخرى، هي صدمة النتائج، وصدمة ثالثة، هي صدمة أداء اليمين الدستورية، وصدمات أخرى لسنا ندري ماذا ستحمل لنا، فالعهدة الرابعة شرٌّ كُلّها على مستقبلنا.
إنّ المُعطيات التي تدلّ عليها المُلاحظة تشير إلى أنّ فوزاً مُستحقاًّ لصالح بوتفليقة أمرٌ مُستبعد، وذلك سيكون أكبر صدمة له. ونحن نعرف أنه لن يقبل أبداً بالهزيمة، خاصة في مواجهة ألدّ خصومه، ولا شك أن يكون اتّخذ كلّ الاحتياطات اللازمة لتفادي الهزيمة مهما كان الثمن. فلماذا كتبْتُ هذا المقال إذن؟ وما الفائدة من هذا العنوان؟أقول أوّلاً إن أي مترشح لا يمكن أن يكون على يقين تام من الفوز قبل الإعلان عن النتائج. ثُمّ إنني أرى أنّ هناك ثلاثة عوائق تقف في طريقه، وهي:
أوّلاً: إنه صار عاجزاً عن قيادة أمّة، وأغلب الجزائريين مُقتنعون بذلك، إذ وصلنا إلى وضعية ينطبق فيها حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) علينا تمام الانطباق: “لا تجتمع أُمّتي على ضلالة”. والضلالة في موقفنا هذا تتمثل في التصويت لصالح رجل لم يَعُدْ يستجيبُ لشروط قيادة الأُمّة، فتستولي الحاشية غير الشرعية على السلطة، إضافة إلى كون تلك الحاشية مشكوكاً في نواياها. إنّ مثل هذا الخطإ لا يمكن أن يُرتكب من طرف الأغلبية.
ثانياً: إنّ تدخّلات الناطقين الرسميين باسم بوتفليقة كانت في أدنى درجات النجاعة أثناء الحملة الانتخابية: فبالإضافة إلى أولئك المُعارضين للعهدة الرابعة لأسباب سياسية أو بسبب اللياقة الأخلاقية، وأنا منهم، هناك أطراف صارت مُعارِضة بالصدفة، كنتيجة لغياب الاحترافية وغياب حسن التّأتّي للأمور من طرف بعض أعضاء فريق الحملة الانتخابية الذين أضاعوا لبوتفليقة عدة ولايات بعد المساس بكرامة سُكانها. فقد تطاولوا على الوحدة الوطنية بسبب انعدام وعيهم.
ثالثاً: هذه أوّل مرّة منذ خمس عشرة سنة يجد بوتفليقة نفسه فيها في مواجهة منافس صعب ومُخيف. فبوتفليقة “المجاهد” و”ابن الشهيد” (منافسه الرئيسي) قد دخلا في معركة حامية الوطيس من أجل قيادة البلاد، وهي معركة لن تكون نهايتها كسابقاتها. صحيحٌ أنّ الأول قد انتصر على الثاني في انتخابات 2004، لكن تلك المرحلة قد مضت. فالفرضية ليست ساذجة لأنها قائمة على عدّة معطيات موضوعية، ومنها: إنّ بوتفليقة الحالي لم يعُد إلاّ طيفاً لبوتفليقة الأول، بينما استفاد منافسه من حضوره الشخصيّ في الحملة الانتخابية ليُحَسّن صورته خلال بضعة أشهر، أمّا بوتفليقة فكان غائباً من الحملة، ومُمثلوه قد أساؤوا إلى صورته وتسببوا في نزيف من الأصوات الانتخابية كُلّما ظهروا أمام الجمهور. إنّ خصم بوتفليقة أثبت قدرات تعبوية كبيرة، وبذل جهداً جبّارا ليربح في كلّ يوم مزيداً من الأصوات.
وفي حالة ما إذا جرى الانتخاب في دورين كما تدلّ على ذلك بعض المؤشّرات، فإنّ خصمه هو الذي سيخرج فائزاً لأنّ بوتفليقة سيأخذ حصته من الأصوات كاملة في الدور الأول. أمّا المُرشّحون الآخرون فقد يُصدِرون توجيهات للانتخاب لصالح هذا المترشح أو ذاك، لكن أغلبية أصواتهم ستكون من نصيب المنافس لأنّ ديناميكية الدور الثاني ستكون في صالحه. وقد يتمكن هذا المنافس من ربح بعض الأصوات في صفوف المُعْرضين عن الانتخاب والذين لم يكونوا يثقون في أنّ الانتخابات ستكون نزيهة، وكذا في صفوف المُقاطعين الذين ستدفعهم الرغبة في مساعدة المنافس على الفوز.
ولو انهزم بوتفليقة في الانتخاب للأسباب التي ذكرناها، فإنه ـ لا قدّر الله ـ سيُصابُ بجلطة دماغية ثانية. ولو نجا من هذا الخطر فإنه لن يقبل بهذه الهزيمة والإهانة، وسيلجأ إلى الحيلة، بل قد يلجأ حتى إلى القوة كي لا يُغادر كُرسيه، لأنه من الصّعب علينا أن نتصوّره وهو يُسلّم السلطة بهدوءٍ مثلما استلمها هو نفسه من يد اليمين زروال في أفريل 1999. قد يفعل ما فعله موجابيMugabe الذي رفض قبول نتائج الانتخابات التي كانت في صالح منافسه ووزيره الأول الأسبق، كما قد يفعل ما فعله كباكبوGbagbo الذي فضّل إشعال نار حربٍ أهليّة على تسليم السلطة لحسان واتارا Alassane Ouattara.
ولا يمكن فهم أي شيء في العهدة الرابعة ما لم ننكب على تحليل نفسية بوتفليقة وثقافته بخصوص السلطة. إنه حامل لفكرة أنه إنّما وُجِدَ لكي يكون رئيساً للجزائريين مدى الحياة سواء أكان ذلك برضاهم أم بسخطهم، وسواء أأحسن العمل أم أساء، وسواء أرضي عليه الشعب أم لم يرضَ. لم تكن عشرون سنة من “التيه” خارج السلطة كافية لإطفاء هذا الشغف غير العقلاني والهدام الذي لا يرجع سببه إلى مجرد كونه نتاج “الاستبداد المشرقي”، فهذا الشغف موجود عند الأسرة الحاكمة الشيوعية المنحدرة من كيم إل سونغKim Il Sung، وفي ذهنية “الرفقاء الثوريين” مثل كاسترو CastroوموجابيMugabe ، أو لدى الرئيس الاشتراكي، تلميذ جون جوريس Jaurès، لورنتغاباغبو Laurent Gbagbo الذي يتواجد اليوم في إحدى زنزانات محكمة العدل الدولية.
وبالإضافة إلى هذه الاعتبارات يجب ألاّ نُهمِل مصالح أعضاء الحاشية التي دفعت به إلى هذا المسلك والذين يُعلّقون كلّ آمالهم على العهدة الرابعة. فبوتفليقة لن يتوقف عند رفض خسارة رهانه (وبعض أعضاء الحاشية تبقى حريتهم مُعلقة بنتيجة هذا الانتخاب لأنهم مُتهمون بقضايا فساد كبيرة)، بل إنه سيقوم بكلّ شيء من أجل جني ثمار استثماره السياسي. وعلامات الهلع التي ظهرت في الآونة الأخيرة من جهة بوتفليقة تدلّ على تخوّفهم من بن فليس. ولهذا فهم مُصرّون على سحقه بكلّ الوسائل، بما في ذلك التزوير والمساومة والعنف.
أمّا بالنسبة للبلاد فإنّ هزيمة بوتفليقة ستكون حدثاً عظيماً يُحدث زلزالاً قوياًّ في النفوس والضمائر لأنّها المرّة الأولى التي يرى فيها الجزائريون رئيساً يفوز عليه مترشّح آخر. إنه التغيّر الجذري في الضمائر الذي قد تولد منه جزائر جديدة. وشبح التزوير الذي رافق كل الانتخابات منذ الاستقلال سيزول وسيسترجع الشعب الثقة في مصداقية وفاعلية ورقة الانتخاب التي هي أقلّ كُلفة وأكثر فائدة من العنف في سبيل إحداث التّغيير.
وانطلاقاً من هنا ستدخل الجزائر في مرحلة جديدة، إذ سيشرع الرّئيس الجديد في تنفيذ وعوده وسط أجواء الانتظار والشغف، ووسط بعض الفوضى السياسية. سيُصبح بالإمكان البدء بإحداث التحوّل الذي كثُر عنه الحديث في الآونة الأخيرة تحت قيادة هذا الرّئيس، كما سيُصبِح بالإمكان تغيير المشهد السياسيّ والذّهنيات. غير أنّ مسألة تغيير الذهنيات قضية أخرى لم يحن الوقت للحديث عنها.
ولنرجع الآن إلى الواقع كي نلاحظ أنّ كلّ الترتيبات الخاصة بضمان فوز باهر لبوتفليقة جاهزة منذ عدّة أشهر. فالإدارة والهيئة الرّقيبة (المجلس الدستوري) وُضعتا بين يدي صاحب نعمتهما، فلو خسر خسروا كلّ شيء. وإذا ما تحقق له الفوز ظهر بصورة الفائز غير المُتوقّع، وستُوجه له تهمة التزوير داخلياًّ وخارجياًّ، وسيصير صورة للرّئيس الضّعيف سياسياًّ وأخلاقياًّ، وهذا هو العطب الذي سيُضاف إلى أعطابه الأخرى. ولو حظي بنسبة تصويت عالية جداّ فسيُقال إنه لم يدّخر جهداً في التزوير كي يستبعد أي شكّ في أنّ عدوّه سيكون الأفضل. أمّا إذا كانت النسبة متوسطة، أي 60% كما أعلن عن ذلك سعداني، الأمين العام لجبهة التحرير، فسيُقال إنهم لم يجرؤوا على رفعها إلى أعلى من ذلك لأنهم أخرجوه من عمقٍ سحيق.
وإذا فاز بوتفليقة بالانتخاب بوسائل غير قانونية، فإنه سيحكم بالفشل على العهدة الرابعة لأنه سيوجد أشخاص يحزّ في أنفسهم ذكر هذا الفوز “المسروق”، ولن يكُفّوا عن تذكيره به وعن مُحاسبته، أمّا هو فلن يكفّ عن الانتقام لأنه اضطُرّ لاستعمال هذه الطريقة غير اللاّئقة وغير الرائقة. فعلاً، إنّ هذه العُهدة الزائدة عن اللّزوم، والتي قد تُكلّف الجزائر ثمناً باهظاً، هي صفقة خاسرة على طول الخط. كانت هذه العهدة، وكما بيّنْتُ في مقالي الأول،”جريمة أخلاقية”، وصارت “أفدح” من ذلك، فهي “خطأ” حسب ما جاء في مقولة ينسبها البعض إلى تاليرانTalleyrand، والبعض الآخر لـ فوشيFouché، وكلاهما كان وزيراً في عهد نابليون.
ومن الخطإ الاعتقاد بأنّ بن فليس ومن سانده وصوّت لصالحه سيختفون فجأةً بعد الإعلان عن النتائج التي سيرون أنّها فضيحة إن لم تكن لصالحهم. صحيح أنه لن يتكرر عندنا ما حدث بين حسان وتارا ولوران بكاكبو في كوت ديفوار من مواجهة مباشرة، لكننا سنشهد ميلاد وضع جديد في موازين القوة لأنه يجب ألاّ ننسى أن بن فليس حقق خطوة غير مسبوقة في الانتخابات الجزائرية منذ 1995. لقد تمكّن من تعبئة جماهير، وإيجاد أمل، ولمّ شمل المُعارِضين لمنافسه، وتهدئة التيارات السياسية المتناحرة بسبب “العصبيات”، وجذب انتباه الدول الأخرى ووسائل الإعلام الدولية التي ستنقل إلى أصقاع المعمورة ما سجلته من مواقفه الاحتجاجية ضدّ خصمه.
لقد حقق بن فليس كلّ هذا في نفس الوقت الذي عمل فيه على تهيئة أسباب إرساء قوة سياسيّة واعدةٍ لو كُتِب لها أن تتجسد في شكل تنظيم ذي أداءٍ فعال وإيجابي.وهي القوة التي ستستنزف جبهة التحرير وتُفرغها من كلّ محتوى، وستُزيح من الساحة بعض المنظمات الجماهيرية التابعة لها، كما ستجذب إليها جمعيات من المجتمع المدني حتى تصير بحقّ مٌمثِّلةً للمُعارضة البعيدة عن الإيديولوجيا والتي ستكون بديلاً جاداًّ لم تتمكن أية قوة سياسية من إيجاده منذ حلّ جبهة الإنقاذ. وماذا نتوقع أن يفعل بن فليس بهذه القوة حسب ما يدُلّ عليه الواقع؟ المؤكّد أنّه سيستثمرها في معركته ضد العهدة الرابعة التي تلقى مُعارضة شديدة.
إنّ تزوير الانتخابات ليس مجرّد لسعة بعوضة قد تؤلمنا حين اللسع، لكننا سرعان ما ننساها بعد الحك. وهو ليس كالتزوير الذي يُمارسه المُزوِّر من أجل تحقيق مصلحة من مصالحه السافلة. ومع ذلك فإننا ننظر إلى تزوير الانتخابات في الجزائر بهذه النظرة، حيث نعتبره كأي غشٍّ ظرفيٍّ، أو كأيّ تجاوزٍ تافهٍ من قِبل الإدارة بمناسبة الانتخابات، بل إن تزوير الانتخاب عندنا يكاد يكون لعبة، والحقيقة أنه بالنظر إلى آثاره لا نُبالغ إذا اعتبرناه جريمة كبرى أخطر من السرقة والتلاعب بالأملاك العمومية والفساد وجريمة القتل مُجتمعةً، ذلك أنّ التزوير بكونه يفسح مجال السلطة بطريقة غير شرعية لأناس غير شرعيين، فإنّه يفسح لهم كذلك مجال ارتكاب كلّ الجرائم. والتزوير لا يُضِرّ بشخص مُعيّن، ولا يَشْعُرُ الأشخاص بضرره فُرادى، لكنه يُضِرّ بالأمة مُجتمعةً ويُلحق الأذى بالجماعة دون أن تنتبه لأنّ تلك الجماعة تصير لقمة سائغة في أفواه رجال بدون أيّ وازع، يفعلون بها ما يشاؤون إذا ما استولوا على السلطة، ويستنزفون حتى أموال الدولة.
والتزوير يحتلّ مكاناً في الممارسات وكأنه وسيلة بسيطة للتحكم في الحياة السياسية، لأنه مُفلت من كلّ النصوص التشريعية: فلا التوراة ولا القرآن أو حديث معيّن يشيران إلى كونه كبيرة من الكبائر، ولا القانون الجنائي ينصّ على أنه جريمة تستحق العقوبة القصوى. فما القول عندما يُمارَس التزوير بمناسبة الانتخابات الرئاسية حيثُ هو بمثابة انقلاب حقيقيّ: ذلك أنّ القائمة الانتخابية الوطنية هي حلبة الصّراع، لأنّ الإدارة هنا تنوب عن الجيش، وأجهزة الحاسوب تنوب عن المُدرّعات.
إنّ الذي يستولي على السلطة بهذه الطريقة ليس مُزوِّراً فحسب بل هو مُستولي مُخادع، مُتسلّط ومُجرم. وكلّ مؤسساتنا السياسية كانت ضحية هذا الفيروس (المجالس الشعبية البلدية والولائية، والمجلس الشعبي الوطني، والرّئاسة)، هذا الفيروس الذي أسْلَمَها للرّداءة والعشائرية والفساد والإفلاس، وهذا هو السبب في تأخر بلادنا. وكلّ جزائري يُشارك في هذه الجريمة ضدّ شعبه غداً، سواء بالفعل أم بالسكوت، ومُقابل بضعة دنانير أو تصديقا لبعض الوعود، أو ربما حتى بدافع النذالة، سيكون شريكاً في الزّج ببلاده في التوغّد والتأخر أكثر. ليس بوسعي، شخصياًّ، أن أقدّم إلاّ هذه الحجج التي يُمليها الضمير والعقل والأخلاق التي يُفترض أن تسود.
” لوسوار دالجيري” 16 أفريل 2014
موقع “الجزائر اليوم” 25 جويلية 2018
