ترجمة بوزيان فرحات
مقدمة:
عندما جاءني عبد الكريم جعاد يقترح علي المساهمة بملف عن مالك بن نبي ، لم يأخذني فقط على حين غرة، بل المدة التي منحني إياها اسبوع لم تكن كافية.
الحديث عن مالك بن نبي او بالأحرى الكتابة عنه لعرض فكره أو محاولة شرحه هو في ذاته مقامرة، بل العمل على ذلك في ظروف مفاجئة و قاهرة يتطلب شجاعة وجرأة نادرة. إنه هذا الإنسان ، هاته الفكرة التي تنبئ عن أفق ليس له مثيل في بلاده، مفكر صاحب نظام ، بصير ، فيلسوف التاريخ الذي بنى مدرسة. مالك بن نبي كان كل ذلك. روح علمية إيجابية. مفكر بعيون مفتوحة على الحقائق الإجتماعية و التاريخية التي كان مدينا لها ليفهم تراجيديا حضارته، يقوم بجولة في تاريخ الإنسانية و إلتهام المعارف قبل أن يشرع في التشخيص: علم الأمراض الإجتماعية للعالم الإسلامي.
مقاربة أصيلة. وحيدة في نوعها. جميلة وصارمة. حادة وكريمة، كانت عند مالك بن نبي حاسة الحكم الدقيق، فن الشكل الذي يبهر، موهبة الطرح ، العقل الغواص, الانطلاقة المطردة، الاسلوب الواضح و البين، النظام و المنهج، كل هذا لم يطفئ فيه الحساسية المرهفة لرجل ممزق أمام مشهد درامي للعالم الاسلامي وهو يغادر التاريخ ليسقط في الانحطاط المهين.
لا نبي في قومه ، غير أن مالك بن نبي كان محظوظا، فقد عرف و طبعت كتبه خارج الجزائر، هنا في الجزائر حيث لؤم الزمان و فساد الرجال أطبقوا عليه غطاء الصمت، و لا يسمح له أن يتنفس من حين لآخر إلا لنميمة أو وجهة نظر جاهلة أو خبيثة، لقد إلتصق اسم مالك بن نبي بمعنى ( القابلية للإستعمار)التي شوهت و خرجت عن إطارها التحليلي، و ظهرت كأنها إهانة للشعب الجزائري، بينما هي في الحقيقة مفهوم يمكن تطبيقه على كامل الشعوب التي “تسقط في الأزمنة”.
حرسنا هنا على أن نشرح فكر مالك بن نبي، نحاول في أفضل الحالات أن نعرض هذا الفكر في شفافيته و بساطته حسب خطة من ثلاثة أجزاء: الإطار العام لفكر مالك بن نبي، مشكلة العالم الإسلامي، و الآفاق التاريخية للإسلام، في الجزء الأول نشرح الفكر العالمي لمالك بن نبي كما يبدو، من دون ربطه بأي شكل من الأشكال مع حالة تاريخية معينة، في الجزء الثاني نربط هذا الفكر بحالة العالم الإسلامي ، و الجزء الثالث و الأخير ، نذكر سريعا بآفاق المستقبل.
انتقاد مالك بن نبي أمر جيد، تقزيم أو تشويه فكره أمر يمكن تفهمه، لكن التعرف عليه أمر ضروري حتى نعلم عن ماذا نتكلم. هذه المعرفة الموضوعية و من دون أي رأي مسبق يبدو أنها غائبة في ظل هذا الملتقى الشبه الخفي الذي يقام هنا في وهران.
تخيلوا أن السيد مونسينيور لوفانفر يتحدث عن ماكس في مؤتمر ما، وستفهمون العلاقة بين بعض الأفراد الذين يقال عنهم “متخصصون” و بن نبي.
الفصل الأول :الإطار العام لفكر مالك بن نبي.
1- نظرية الحضارة.
أ- تاريخ هذه الكلمة.
ب- تعريف مالك بن نبي لها.
ب1- مقاربة تاريخية.
ب2- مقاربة بيداغوجية.
2-نظرية الثقافة.
أ- مقابة بيولوجية.
ب- مقاربة بيداغوجية.
3-نظرية الأفكار.
أ- التعريف الوظيفي.
ب- عالم الأفكار.
ج- الأفكار الأصيلة و الأفكار الفعالة.
د- الإيديولوجيا.
ت- الإشتراكية.
ح- الديمقراطية.
الفصل الثاني:مشكلة العالم الإسلامي.
1- الإسلام اللامسؤول.
2- أسباب فشل النهضة
الفصل الثالث:الآفاق التاريخية للإسلام.
الفصل الأول:الإطار العام لكفر مالك بن نبي.
1- نظرية الحضارة.
1-أ تاريخ هذه الكلمة:
مفهوم ” الحضارة” جد مهم في فكر مالك بن نبي، بل هو مفتاح السر ، لكن من المهم أيضا معرفة أصل هاته الكلمة و التعاريف الرئيسية التي أعطيت لها قبل المرور بالتعريف الذي يقترحه مالك بن نبي.
على مستوى التفكير الغربي مصطلح الحضارة(civilisation) أصله من civis ,citadin,citoyen. و التي تعني المواطنة والمدنية، ظهر هذا المصطلح في فرنسا و ألمانيا معا خلال نهاية القرن الثامن عشر في سياق فلسفة الأنوار.
بالنسبة للفرنسيين، هذا المصطلح قريب نوعا ما من كلمة “ثقافة” و هو يعني حكم تقويمي حول حالة أخلاقية يرتقي إليها شعب ما، أما عند الألمان ، فإن كلمة ” حضارة” تتميز عن الثقافة (التهذيب الروحي ) و ” البناء” الذي هو ميزة النخبة المثقفة. و هي تعني الحالة المادية و التنظيمية لتطور شعب ما ،لقد حاول كثير من الفلاسفة و المؤرخون منهم غيزو، رانك، بيركهارت خلال قرن وضع تعريف دقيق لكن لم يتوصلوا الى تعريف تنظيمي مرضي، أما المؤرخون و المفكرون في القرن العشرين و منهم شبنجلر و توينبي فقد حاولوا وضع مفهوم عضوي عملي. أما شبنجلر فعرف الحضارة بأنها ( ما تؤول إليه ثقافة ما) يعني بذلك نتيجتها العضوية و المنطقية. إنجازاتها و موتها، ذكر ستة منها، أما توينبي فذكر أنه المرور من مجتمع بدائي إلى مجتمع متقدم، من ظروف ساكنة إلى ظروف متحركة،من “yin” إلى “yong” لقد طبق هذه الصفة على 21 مجتمعا تاريخيا الذين عرفوا كيف يتغلبون إيجابيا على التحديات البيولوجية و الفيزيائية التي تعترضهم على المسار التاريخي.
أما على المسار الإسلامي ، فيبدو أن هاته الكلمة لم تكن موضوع تحليل نظامي إلا عند ابن خلدون ( أبو فلسفة التاريخ) و مالك بن نبي، يعني بن خلدون بكلمة الحضارة كل ما له علاقة بالعمران، هذه الفكرة أسست الفارق بين culture و civilisation كما رأينا عند الألمان خاصة عند شبنجلر. ستة قرون من بعد.
1-ب- تعريف مالك بن نبي لكلمة الحضارة:
من وجهة نظر ميتافيزيقية فإن ظاهرة الحضارة تبدو لمالك بن نبي كمسيرة نجم مثالي حول الأرض يشرق تباعا اتجاه كل الشعوب . الحضارات المعاصرة و الحضارات الضائعة في الليل البهيم و حضارات المستقبل ، خط مشع للملحمة البشرية منذ فجر التاريخ إلى نهايته، سلسلة مجيدة حيث تتلاحم جهود الأجيال و تناقضاتهم و النتيجة هي هذا التطور المتواصل. تتعاون الشعوب و كل واحد له مهمته المعلومة. في الزمن المعلوم. حيث تدق الساعات الخطيرة للتاريخ. و في المجمل نستطيع أن نلاحظ هنا أن كل الشعوب و الأعراق نظريا حسب مالك بن نبي هي أهل الحضارة.
1-ب1- مقاربة تاريخية:
لم يرد مالك بن نبي أن يكون مؤرخا، و لا اشتغل ليحدد نقطة انطلاق هاته الحركة في الزمان و المكان، لكنه استخرج فقط” استمراريتها عبر العصور، إلا أنه كلما حاولنا تحديد شروطها التاريخية، نلاحظ أن هاته الشروط تتميز بهواء ينتقل، حتى ولو كانت هاته الإستمرارية التي نلاحظها في الإطار العام للتاريخ يمكن أن توجد مختفية من خلال انقطاع يظهر كسلسلة رقمية تتواصل بآجال متشابهة لكنها ليست على نمط واحد. من هنا يستنتج بن نبي معطى ( مفرد معطيات) أساسي في التاريخ حيث يصف الحدس الأول لإبن خلدون :”دورة الحضارة”.
كل دورة معرفة بشروط ( نفسية زمنية) خاصة لفئة اجتماعية، هذه الفئة تحقق و تجسد خلال مدة من الزمن هذه الدورة من ” الحضارة” (وحدة اجتماعية تاريخية) ثم الحضارة ( الظاهرة الكونية ) تسافر ، تغادر الشروط التاريخية و الجغرافية لهذه المجموعة البشرية تتحرك وتنتقل قيمها في الهواء حيث دورة جديدة تفتح لها في مكان آخر، فهي دائمة الترحال ، رحلة لا نهاية لها عبر تحول متتابع ، كل تحول له تركيب تاريخي حيوي للإنسان و التراب و الزمن.
هنا حيث تبدأ الدورة كما اشار ” لا علم و لا علماء، لا صناعة ولا تقنيين ، لا فن ولا فنانين، و لا إشارة لتقدم معلوم”أو ( عند بداية نهضة ما) هناك ثلاث عوامل زمنية : الانسان التراب و الزمن، هذا هو كل رأسمال إجتماعي لأي شعب في مراحله الأولى في التاريخ”.
لكن التركيب الحيوي التاريخي للعوامل الثلاثة الاساسية ليس تلقائيا ، وأقل فجائية، محض الصدفة أو الحتمية التاريخية جدا، أو الجبرية يراها مالك بن نبي كلا متكاملا مشروطا بروابط ضرورية بين المصطلحات الثلاث ” إنها تخضع لنوع من أنواع الدوافع، عامل أخلاقي (إيديولوجي) يجب أن يدفع بها ، بمعنى يحدد انسجامها الداخلي، و بالكاد، بدا أن تشكل كلا معلوما في تركيبته ووجهته، تنتج لنا كتلة مشوهة مضطربة وغير قادرة أن تأخذ وجهة معينة تحافظ عليها”.
مما يميز نقطة الإنطلاق في أي حضارة هو دائما الوحي الإلهي أو الأسطورة( يعني مالك بن نبي بالأسطورة، قيمة دينية أو ميتافيزيقية، أو نموذج أي عمل إشاري، المعنى الذي نجده في أعمال ميرسا إيلياد) يقول مالك بن نبي”:
الحضارة هي نتاج فكرة تسجل دفعة قوية لمجتمع ما قبل الحضارة تجعله يدخل التاريخ، تتشكل الحضارات في ظروف تسيطر عليها الى حد الإغتراب الكامل للوعي البشري فكرة السلام أمام أي خطر وجودي أو ديني تتدخل الفكرة الدينية بشكل مباشر او ما يضادها في تركيبة آي حضارة ; يحفز الدين
) او البديل له ( القيم الاجتماعية لكنه وهو يرتجم فكرة اجتماعية يزداد تمددا وديناميكية ” الجانب الاجتماعي للدين عند مالك بن نبي ليس الا ” ذالك المحفز الذي يؤيد تحول القيم من حالة عادية الى حالة نفسية زمنية “
1-ب2- مقاربة بيدا غوجية :
بالنسبة لمالك بن نبي فان مشكلة الحضارة تطرح في كل مكان وبنفس الشروط ; وهي تتعلق بكل تركيبة حيوية تاريخية تتألف من الانسان والتراب والزمن تعضدها فكرة مستوحاة من الدين او الاساطير او الفلسفات الثورية. الحضارة هي امكانية ملء وظيفة ” هي مجموعة من الشروط الاخلاقية و المادية تسمح لمجتمع ما بأن يضمن لافراده كل الضمانات الاجتماعية الضرورية من اجل تقدمه ” .
أزمة أي شعب في الماضي أو الحاضر هي في الأساس أزمة حضارة، و حسب مالك بن نبي ، يمكن أن نستدل أن الأزمة الحالية للبلدان التي هي في طريق النمو ليست أزمة اقتصادية ، بالمعنى الضيق للكلمة، لكنها أزمة نفسية زمنية، و هي مجموعة من العلاقات الديناميكية الإجتماعية التي تفرق بين بلد متقدم و آخر متخلف.” التقدم” في العالم المعاصر يعرف من خلال المناخ الجغرافي الذي يتميز بمناخ ثقافي غربي. كما أن الدول المتخلفة تتميز بمناخ ثقافي ما قبل أو بعد الحضارة كما هو الحال في إفريقيا و جزء من آسيا و جزء من أمريكا ، تاريخيا و حسب مالك بن نبي فإن أي مجتمع يشغل مكانا معينا ما قبل الحضارة أو الحضارة نفسها أو ما بعد الحضارة . كل إشكاليته و حتى يكون مفهوما . لابد أن يكون مرتبطا بالمكانة التي يحتلها في اللحظة الحاسمة. و من هنا ، يبدو التاريخ لمالك بن نبي كفعل يدرس الأشياء و الأشخاص و الأفكار المتوفرة في لحظة معينة. و اعتبر هذا من خلال ثلاث وجهات نظر.
– بالنسبة للفرد، هو علم نفس” هو دراسة للإنسان باعتباره عاملا نفسيا للحضارة”.
– بالنسبة للجماعة، هو علم اجتماع ” هو دراسة لشروط التقدم لفئة اجتماعية معرفة ليس فقط بالمعطيات الجمالية و التقنية التي تناسب مناخ حضارتها”.
– بالنسبة للمجموع البشري ، هي ميتافيزيقا ” لأن أفقها ينظر إلى ما وراء مجال السببية التاريخية و هو يعني الظواهر في غايتها”.
في نهاية هذا الجزء ،نود أن نعيد هنا نشر مقدمة كتابه مشكلة الحضارة.
“عندما هبط آدم المذنب الى الارض ، لم يحمل معه إلا ورقة التوت التي تغطي عورته و الندم الذي يقلق روحه. عندما رأته الحيوانات و كل المخلوقات.ضحكت منه لأنه كان عريانا.
شعر آدم بالبرد و الجوع و الخوف، لجأ الى كهف مظلم ليفكر في فقره و عزلته في هاته الطبيعة التي بدأ يعرفها قليلا.
حسد الطير في الهواء و الحوت في البحر
أوجاع الندم و الحسرة آلمته بقوة إضافة الى فقره.
دعا و تضرعا بخشوع وخضوع.
فأجابه الإله : منحتك العبقرية و اليد رمز القوة و التراب و الزمن.
إذهب راشدا. ستملك الكون كالطير الذي يطير ، و السفينة كالحوت الذي يسبح.
و خرج آدم. و قد أضاء النجم المثالي كهفه المظلم و أنار دربه.
و هكذا اختصر مالك بن نبي كل التفاؤل و الأمل بهذه الشاعرية الحانية رغم المشاكل التراجيديا التي سيكشفها من بعد عن مجتمعات ما قبل أو ما بعد الحضارة
2- نظرية الثقافة:
كلمة “الثقافة ” أصلها من اللغة الرومانية و هي تعني (الصيانة و الحفظ و العناية) مما يتعلق بزراعة الأرض ، شيشرون كان أول من استعمل المعنى المجازي للكلمة (للأشياء الروحية) كما يقال، ثم تغير معنى الكلمة من مدرسة لأخرى ، و لابد من البداية القول أن هذا ليس معنى الثقافة عند مالك بن نبي، أحد المتأثرين بمدرسة فرويد (روهيم) عرف الثقافة بأنها(كل ما هو عند البشرية فوق مستوى الحيوان) أما مدرسة الثقافة الأمريكية فتعرفها( تنظيم مجموعة من السلوكيات المتعلمة يكيفها و يتناقلها أعضاء مجتمع ما ) أما الأنجلوساكسون( كاردينر،بوبل،رودين،….) فيمزجونها بـ(مجتمع) و يستعملونها دون تمييز مصطلحات “ثقافة” ” مجتمع” ” حضارة” . أما المكانة المعلومة للثقافة في النظام البنبوي و علاقتها بالحضارة كعلاقة الدم بالنسبة للجسم البشري.
2-أ- مقاربة بيولوجية:
“الثقافة في دورها التاريخي تتحمل وظيفة الدم بالنسبة للجسم البشري . فالدم يحمل الكريات البيضاء و الحمراء التي تحافظ على حيوية و توازن الجسم. وتساعد نظام المناعة فيه. الثقافة هذا العنصر المغذي هي دم الحضارة.الدم حيث الأفكار العملية للشعب و الأفكار التقنية لنخبته لها أساس مشترك موضوع من التخطيطات و الأفكار و الميول غير المتشابهة. الثقافة هي مذهب سلوك عام لشعب من الشعوب في كامل تنوعاته و نسيجه الإجتماعي. إذا كانت الثقافة بالنسبة للبعض هي جسر غير محدد نحو التقدم فهي بالنسبة للبعض الآخر حاجز يمنع من الضياع”. و حسب مالك بن نبي فإن كل حقيقة اجتماعية هي في أصلها قيمة ثقافية تساير الانسان حسب ظروفه و محيطه”. التفكير في مشكلة الحضارة هو بالضرورة تفكير في مشكلة الثقافة”.
2-ب- مقاربة بيداغوجية:
و تندرج تحت هذا التعريف الذي يقول فيه: ” ليس هناك تاريخ بدون ثقافة ، لأن أي شعب ليس له ثقافة لن يكون له تاريخ، الثقافة بما فيها الفكرة الدينية التي هي اساس أي ملحمة بشرية. هذه الثقافة ليست علم ، و لكنها طموح يظهر فيه الانسان الذي يحمل حضارة في أحشائه ، وهي محيط حيث كل التفاصيل هي إشارة من مجتمع أنه يسير في نفس الإتجاه ” و يتابع” الثقافة هي مجموع من العادات و المواهب و التقاليد و الأذواق و الاستعمالات و السلوكات و العواطف التي تعطي شكلا معينا الى حضارة ما و تمنحه القطبين . كعبقرية دكارت و روح جان دارك…الثقافة هي ابتهاج مصنوع من ألوان واصوات . و أشكال وحركات أشياء معلومة ، و مناظر ووجوه لها أفكار منتشرة ، هي ابتهاج يمارس فعله على الراعي كما على الألم على حد سواء، هي محيط يتشكل فيه المكون النفسي للفرد كما يتشكل جسمه في المحيط الحيوي.
إذا قمنا بتحليل أي حقيقة اجتماعية. نستنتج كما يقول مالك بن نبي اربعة عناصر أساسية سواء بالنسبة الى حالتها في الحين أو لمحتواها تدريجيا: هذه العناصر الأربعة هي: الأخلاق و الجمال و التقنية و المنطق النفعي ” كل إنجاز اجتماعي . كل منتوج حضاري. هو في الاساس مركب من اربعة عناصر ” الاخلاق التي تحدد السلوك الاجتماعي . وهي قوة انسجام تستمد بنفس الصدى، الأخلاق هي نفس التمثيل لعالم مالك بن نبي الذي يضبط ليس تحت الزاوية الاجتماعية و ليس فقط الفلسفية ” أما الجمال فيحدد الذوق العام ، و المنظر العام لحياة مجتمع ما . المنطق النفعي يحدد صيغ الفعل المشترك، يحدده نحو هدف معين.هذا الرابط الضروري بين الفعل و الهدف منه، بين السياسة و وسائلها ، بين الفكرة و تحقيقها .
التقنية تجمع كل الوسائل المحددة الموضوعة في خدمة الفعل من طرف كل فئة اجتماعية في الاطار الاقتصادي و تترجم المعنى العملي للمجتمع.
و في اعتباره للتاريخ العالمي ، يقرر مالك بن نبي على الاجمال نوعين من الثقافة : ثقافة الامبراطورية في اصولها التقنية . و ثقافة الحضارة في اصولها الاخلاقية و الميتافيزقية .في البداية ومع فجر التاريخ كان الانسان و خوفه من الفراغ الكوني يتجسد التاريخ تحت هذا الرابط ( الحضارة الكونية)أحيانا تحت مسمى” ثقافة الامبراطورية التي تقابل نفسية المتفتح ( حسب مصطلح يونج) و احيانا تحت مسمى “ثقافة الحضارة” التي تقابل ثقافة المنغلق ” إنها قمة الحضارة أحيانا حين تتركز الأشياء حول الفكرة . و احيانا قمة الحضارة حيث تتركز الافكار حول الاشياء” كما كتب مالك بن نبي.
في ” تعاقب الثقافات” هذا ( التعبير ليس لمالك بن نبي لكننا نستعيره من غوته)الذي يرمز له في عمل مالك بن نبي بالتضاد بين شخصية روبنسون كروزو و حي بن يقظان. تتميز ” ثقافة الحضارات ” في لحظة انحطاطها بالغلو في تغليب الجانب الاخلاقي. هذا الذي يدفع الى اشاعة فكرة غناء الدنيا de-temporallisation ، و كذلك ” ثقافة الامبراطورية ” في لحظة انحطاطها تتميز بالغلو في تخليد temporallisation الدنيا. يقول مالك بن نبي :” يبدو ان الفكر الغربي يلهث نحو الوزن و الكم عندما ينحرف نحو الغلو ، ويسقط نهائيا في المادية بشكليها : النمط البورجوازي للمجتمع الاستهلاكي و النمط الدياليكتي للمجتمع الشيوعي . و الفكر الاسلامي في لحظة انحطاطه كما هو الحال الآن يسقط في الصوفية العقيمة و التموجات و الغبش و عدم الدقة والتقليد و التخدير بالنسبة للأشياء…..”.
حتى و إن لم يشرح مالك بن نبي بعمق مفهوم ” تعاقب الثقافات” vita contemplativa et vita activa” لأبولونو ديونيسوس الذي نعتقد أننا تعرفنا عليه من خلال شرحنا لحركات ” تمدد” و ” انقباض” التاريخ ( حسب عمل القلب كما في علم الطب) لقد حاولنا شرح رؤيته و تعليله من خلال بعض الامثلة الإضافية : لقد فضل الإغريق فكرة الجمال ( أو فلسفة البحث عن كل ما هو جميل) في تحديد ما هو نافع و عملي ، لكنهم لم يصلوا الى التطبيقات التكنولوجية، الروم الذين جاؤوا من بعدهم لم يتميزوا بعبقرية كبيرة لكن تركوا بصمتهم في التاريخ من خلال الفتوحات التي قاموا بها و المؤسسات التي أقاموها و ليس بنفعيتهم . و حسب التاريخ . استخلفهم المسلمون من بعد فأقاموا حضارة المثل و الافكار الراقية و ليس التقنية والصناعة . الغرب الذي أخذ الدور من بعد ذهب الى الضد بالتمام و الكمال فجعلها مادية وامبراطورية . في المذهب الصيني الفكرة لها مكانتها في الطوطائية taoisme أما الأشياء فلها مقامها في المذهب الكونفيوشوسي. و نفس الكلام يقال في التقاليد الهندوسية حيث يفضل المذهب البرهماني الفكرة و يفضل المذهب كساتيرياسksatriyas عالم الأشياء.
3-نظرية الأفكار:
3-أ-التعريف الوظيفي:
إذا كانت الحضارة في فكر مالك بن نبي هي المنظومة و الثقافة هي الدم الذي يسري فيها فإن الأفكار هي الجينات. هي نظامها الجيني. ” الفرد المنعزل لا يمكن أن يعيش في عزلته إلا بإعادة التجربة الألفية لحسابه و في ظرف من الزمن مختصر حتى يتكيف المجتمع مع محيطه. تبدأ مغامرته من أرض خصبة للأفكار كما في قصة حي بن يقظان. أو من أرض خصبة للأشياء كما في قصة روبينسون كروزر .لكن مهما كانت درجة فقره . أو الثقافة التي يمثلها . فإن نشاطه وحتى يضمن بقاؤه،يستجيب دوما إلي مجموعة من العوامل النفسية الجسدية حيث المخطط البياني فيها يتواجد في شكل نشاط إنساني في نشاطها الأكثر بساطة هذا النشاط قد يتمثل في عمل حرفي متشوق لعمله و أداته في يده، أو فلاح منحني على محراثه أو جندي يمسك ببندقيته ، في كل هذه الأعمال ( الحرفية و الفلاحية و الحربية) فإن العمل لا يؤدى إلا في ظل معنيين يخفيان حقيقة أكثر تعقيدا، لا يؤدى إلا في ظل شروط تستجيب ضرورة لسؤالين و هما : كيف و لماذا؟ و ليس كل كيف حتى لا يصبح العمل مستحيلا،و لن نتصرف من دون سبب حتى يصبح العمل غامضا، و بالتالي لا يمكن لأي عمل أن يتحدد خارج مخطط يتضمن في نفس الوقت عناصره المرئية ، عنصر مثالي يمثل دوافعه و صيغه العملية ….الحضارة هي نتاج فكرة أساسية تطبع في مجتمع ما قبل الحضارة دفعة قوية تجعله يدخل التاريخ، دور الأفكار ليس ببساطة أمر معنوي و ديكور كزخرفة مدخنة كما سيكون الحال في فترات ما بعد الحضارة ، عند دخول المجتمع في التاريخ يكون دور الأفكار وظيفي لأن الحضارة هي إمكانية ملء وظيفة…”.
3-ب- عالم الأفكار :
يواجه مجتمع ما قبل الحضارة ، كما يشرح مالك بن نبي ، بشيء من التحدي نشاطاته البدائية بدوافع و صيغ عملية تمثل عالم ثقافي متواضع، و حتى خلال هاته المرحلة، فأن هذا العالم يتضمن الأفكار الرئيسية ، و النماذج التي يتوارثها الجيل اللاحق من الجيل السابق، و كذلك الأفكار العملية التي ينقحها بشكا اصغر أو أكبر كل جيل ليواجه التحديات الدقيقة في تاريخه،” الأفكار التي تحتضن نشاطه هي أخلاقه في هاته المرحلة، و الأفكار الثانية التي توجه نشاطه هي تقنيته، عندما يمر الى المرحلة المواليةو يشرع في صناعة حضارة ، هنا، هذا التحول يمثل ثورة ثقافية التي ستنقح بشكل أقل أو أكثر ،أو بالأحرى بشكل أقل، تقنيته لكنها ستغير جذريا أخلاقه، على عتبة حضارة ما ، ليس عالم الأشياء هو الذي يتغير ، لكن عالم الأشخاص بالأساس، و خلال هاته المرحلة ، فإن التقنية لا تتوجه نحو الشيء إنما نحو الشخص، في وسط عالم الأفكار للمجتمع، هناك تسلسل أفكار يغير الأشخاص و الأشياء ، أما الأفكار التي تغير الأشخاص فهي تملك قوة تكييف الطاقة الحيوية في بداية حضارة ما ، أما الأفكار التي تغير الأشياء فهي لتكييف المادة في الشكل الثاني من دورة….
قوة الأفكار الأولى من حيث درجة التغيير و المدة تعتمد على الأصل المقدس و الأبدي لعالم الثقافة الذي ولد في ظل المجتمع الجديد، عالم أبدي مائة بالمائة لا يمكن أن يوجد في الأصل لأنه لا يستطيع توفير دوافع قوية تساند الخطوات الأولى لمجتمع فتي، نظام فتي سيبحث دوما عن مرتكز القيم المقدسة ، و بالمناسبة ، فإن التاريخ يبين لنا أن العالم ، حتى ذلك الذي يرتكز على أصل هاته القيم يمتد دوما نحو عدم التقديس بقدر تقدمه في المرحلة الثانية من الدورة، و هي مرحلة المشاكل التقنية والتمدد.
هذه الظاهرة يمكن تفسيرها من طريقين: فهي بالنسبة للاقتصاد تعتبر تطورا، و بالنسبة للمؤرخ الفيلسوف تعتبر ضياع طاقة ، بداية الشيخوخة، هذان التفسيران المتناقضان يلتقيان في ضرورة قانون تحويل الطاقة الذي يحكم التاريخ كما يحكم عالم الأجسام، لابد من تدفق للقدرات الكامنة من أجل إنتاج العمل.
يسمي علماء الميكانيك ” لحظة” القوة عندما تتمكن رافعة بشكل كاف يسمح بنقل مركز المقاومة، بمعنى إكمال العمل ، قوة الفكرة أيضا لها ” لحظتها” عندما نسقطها على نشاطنا و هي بالذات الصورة المتكاملة النموذجية في عالم الثقافة الأصلي، كل الأفكار التي تخص النظام الأخلاقي أو تتحكم في عالم المادة لها لحظة المجد تسمى ” لحظة أرخميدس”.
لحظة أرخميدس للأفكار تعتمد على حالة ارتباطها بالنماذج المثالية ، و هذه تمثل في العالم الثقافي القوالب التي تقولب أفكارنا و التي تعبر بطريق مباشر عن أفكارنا، لكن عامل الوقت في ذواتنا و تفكيرنا يمحي نتؤات هاته المقالب ، كما هو الشأن في ورشة طباعة أو سباكة، قد يقع أحيانا أن الأشكال التي نستقيها لا تكون إلا صورا باهتة للنماذج : يعني أن الأفكار المطبوعة تخدع الأفكار الموضوعة على مستوى القوالب الأصلية، و هذا الخداع يؤثر على كل نشاطاتنا بشكل متشنج ، أي إنتقام يكون أحيانا مدمرا على المستوى الزمني، عندما تنتقم الأفكار المهزومة. من السهل أن نفهم ذلك على المستوى التقني عندما يكون الإنتقام بشكل مباشر كأن تنفجر آلة لم تصنع بشكل جيد، أو ينهار جسر، لكن المجتمعات و الحضارات تنهار بشكل مختلف ، كل حوادث التاريخ لم تكن في أغلب الأوقات بشكل أقل أو أكثر إلا نتيجة للأفكار المهزومة.
عالم الأفكار هو قرص يحمله كل فرد منذ الولادة ، هذا القرص يختلف من مجتمع الى آخر مع ملاحظة اساسية . فقرص كل مجتمع مطبوع بشكل مختلف كما ان الأفراد و الأجيال قد تضيف اليه
ملاحظاتها الخاصة كهرمونات الملاحظات الأساسية. عالم الأفكار هو قرص له ملاحظاته الأساسية ونماذجه المثالية : وهي الافكار المطبوعة . العبقرية اليونانية تمت هندستها على الأثينية و التي اعطت للعالم هذه الفيسفاء التي نجد شيئا منها في الحضارة المعاصرة.
يواصل مالك بن نبي رحمه الله قائلا أن العلاقة في الفيزياء بين التردد الأصلي وانسجامه كالعلاقة بين هذا الذي يفقد وعيه عندما يتوقف العقل عن ارسال الذبذبات . هي نفس العلاقة بين الافكار المطبوعة و الافكار الموضوعة عندما تبدأ الأولى في الاختفاء من قاموس الحضارة. فانه يعطي في البداية ملاحظات مغلوظة . ثم صافرات الانذار ثم الصمت ثم الرفض. عندما تنمحي النماذج, لن نسمع بعدها صوت الروح في الأوكسترا . عندها لافكار المطبوعة لن يبقى لها دور في المشهد الثقافي الأصلي فتسكت بدورها ولن تجد ما تعبر عنه, ولن تستطيع التعبير ,وهنا يتقزم المجتمع بفعل الأفكار الميتة وخطيئة الدوافع العامة .
3-ج- الافكار الأصلية و الأفكار الفعالة :
ليست كل فكرة أصلية فعالة ولا كل فكرة فعالة حقيقية ” الأصالة أمر جوهري ,نوعي و مستقل عن التاريخ. تخرج الفكرة الى الدنيا و قد تكون حقيقة وقد تكون كاذبة , وعندما تكون حقيقية فانها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان. بالعكس, قد تفقد فعاليتها في مسارها رغم حقيقتها . تبدأ فعالية فكرة بالنسبة لتاريخها من لحظة ارخميدس عندما تقلب قوتها الدافعة العالم أو عندما نعتقد اننا نجد فيها نقطة الارتكاز الضرورية لحل مشكلات العالم. لا يكفي في زمن الانتاجية ان تقول الحق لتكون على حق. من المسموج فعلا ان تقول اثنين زائد اثنين تساوي اربعة وتموت من الجوع ويقول غيرك انها تساوي ثلاثة ويضمن عيشه. الآن. البراهين الحديثة ليست حسب النظام الفلسفي أو الأخلاقي. لكن حسب النظام العملي. صواب الفكرة يتوقف على نجاحها .
3-د- الايديولوجيا:
الايديولوجيا ليست مجموعة من أفكار مختفية بل موجهة للطاقات . سهم يرصد طريق أمة في تاريخها. إنه الإلزام الذي يطبع الفكرة في اليد و العقل في معنى معين . لابد أن تحقق هذا المجموع من العمل الفردي و الجماعي سواء على المستوى الفكري العالي جدا أو على مستوى التطبيق العادي جدا.
يجب أن تكون الايديولوجيا نشيدا يقود الأمة جميعا نحو العمل. الصرخة التي تتابع بدقة مجهود أمة. صرخة أمة ترفعها نحو الأعلى . لكن نشيد الأمة الذي يقود الشعب على أرض المعركة أو في مجال العمل لا يخرج من العدم أو من ارتجال أدبي أو موسيقي. إنه يبرز من روحها. من تقاليدها. من تاريخها. من كل ما يجعل عملها أو معركتها أمرا مقدسا في عينها. لا تحمل الايديولوجيا الحماس فقط. بل يجب أن تحمل معها مبدأ نظام . قبل أن تروض الطبيعة. و أن ينضبط الشعب و يتأدب و يخضع للقوانين العامة الضرورية في مجال العمل المشترك.تكون الطاقة أمرا ضروريا حيث تمنح الطبيعة كل فرد من أجل إنجاز الأعمال اليومية. أما الطاقة المتحررة بلا شروط فهي مدمرة ، حيث تدمر النظام و تنهش في الإنضباط و تقضي على القواعد و تجعل العمل المشترك من المستحيلات . و يجب ضبط هذه الطاقة و توجيهها حسب قاعدة بافلوف . وضع شروط يجعلها سليمة بأهداف محددة في مجتمع في مرحلة التكوين.
توضع الحرية في ضوء هاته القواعد الدقيقة و ليس بكل ديماغوجية. قد تكون حرية القرد تامة من دون أن يأذي جنس القردة، لكن حرية الإنسان لا يمكن أن تكون كاملة إلا على حساب فوضى لا تتناسب مع ضروريات التنظيم الاجتماعي و النظام العام. طريق الحرية يمر من خلال هذين الممرين الحادين . التوافق التعسفي الذي يؤدي الى خندقة الفكر في فوضى سياسية . أو عدم توافق تنظيمي يؤدي الى فوضى في عالم الأشخاص و الأشياء و الأفكار.
و يختم مالك بن نبي قوله” السياسة التي تتجاهل القوانين الأساسية لعلم الإجتماع المعتبر كعلم الأحياء للعضويات الإجتماعية . هاته السياسة ليست إلا هذر عاطفي .أو لعبة كلمات بسيطة، أو طوطامية ديماغوجية.
3-ت- الإشتراكية:
كتب مالك بن نبي أنه على مستوى العمل المدروس. فالإشتراكية هي صيغة عملية الأكثر تأثيرا . وفعاليتها ناتجة بالمرة من صفتها كتقنية اجتماعية مطبقة في مجموع الأمة. و هي من وجهة نظر اجتماعية فهي عامل تكامل للعمل الفردي في الفعل المدروس ، فهي من جهة تحرك للحد الأقصى للأشخاص و الأفكار و الأشياء، و من جهة أخرى تؤثر في معطيات معامل الفعالية بإعطاء حوافز قوية للأشخاص و شروط جيدة للإستعمال الجيد للأشياء ، و تعطي للفكرة دورها و استعمالها الأفضل.
3-ح- الديمقراطية:
يرى مالك بن نبي حسب رسم بياني أن الديمقراطية لها ثلاثة أضلاع:
– كشعور الشخص نحو نفسه.
– و كشعور نحو الآخرين.
– و كمجموع من الشروط الاجتماعية و السياسية الضرورية لتكوين و انفتاح مشاعر مماثلة عند الفرد.
الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا كفعل اجتماعي ، كسلطة للجماهير ، فإذا لم تكن مطبوعة في الفرد الذي تتكون منه الجماهير ، اذا لم تكن مطبوعة عنده في ” الأنا” في العناصر التركيبية لشخصيته، إذا لم تكن موجودة عنده كمجموعة قناعات، و عادات و استعمالات، و تقاليد ” الشعور الديمقراطي ليس مرتبطا بأي ظروف أخلاقية و اجتماعية، إنه نتاج ثقافة ، إنه تتويج للإنسانية، بمعنى معين للإنسان ، بالنسبة للسلم الشخصي أو لسلم الآخرين ، إنه نتيجة لهذا التقويم المزدوج . في كل قضايا الديمقراطية ، الاحساس بالديمقراطية هو حد نفسي معين يظهر من دونه الحد النفسي الموجود في النظم الإستبدادية . الرجل الحر أو مواطن الديمقراطية هو تأكيد بين نفيين، نظام ديمقراطي لن يكون تعبيرا أصيلا عن الديمقراطية إلا من خلال عمل ديمقراطي سبقه.
الديمقراطية هي نظام ذو حدين، سياسي و اجتماعي في آن واحد…. النظام الذي يوفر للمواطن بطاقة الإنتخاب و يتركه يموت من الجوع ليس بنظام ديمقراطي.
و حسب علمنا ، فإن مالك بن نبي هو الرجل الوحيد الذي عالج بعمق و بموضوعية عالم الأفكار، أفلاطون، ليبنتز ، فوييه، أورتيغا اي غاسيه، لوبون إلى آخره ، لم يعالجوا الأفكار بهاته الطريقة و لم يتوصلوا إلى هاته النتائج .
نشير هنا لمن يهمه الأمر أن الأعمال الحديثة لجوناس سالك ( جاء بعد موت مالك بن نبي) تمكن من إعادة قراءة فكر مالك بن نبي!
الفصل الثاني “مشكلة العالم الإسلامي”:
1- الإسلام اللآمسؤول:
هذا التعبير ليس من مالك بن نبي، لكن يمكن إدراجه ضمن فكره، لقد أدخل بن نبي فرقا جوهريا في اعتبار التاريخ الإسلامي بفصل قيمة الفكرة الإسلامية عن ” صيرورتها” مسلمة تاريخية، فكتب يقول:
“التطور المعروف تحت اسم الحضارة الإسلامية ليس في الحقيقة إلا مطابقة للإسلام المذهبي للدولة التي نتجت بعد معركة الصفين ، لقد عانت المدارس الفكرية كثيرا حتى تحقق هذا التوافق ضد سلطة وراثية ( الأكثر اسلامية) المستبدة و الحصرية، حتى لو لم تكن حضارة إسلامية ناتجة عن مذهب اسلامي ، لكن ناتجة عن مذاهب توافقت مع نظام مفروض مؤقت.
كل التطور التاريخي للعالم الإسلامي هو نتاج لمدارس العقائد و تكيف تعاليمها مع الحياة العملية، حتى وإن كان الجانب الإجتماعي للمذهب القرآني و كل البذور الاجتماعية مهملة و لم يتم تطويرها، كل ما يسمى (بالمنطق النفعي) للإسلام لم يتم تطويره ، فالحضارة الإسلامية من وجهة نظر علم الأحياء التاريخي ليست إلا تحريف للمنهج الأصلي الذي حققه القرآن و القائم على التوازن بين الروح و العقل ، عرف العام الإسلامي أول قطيعة مع معركة الصفين عام سبعة وثلاثين للهجرة ، لأنه بعد فترة وجيزة من ولادته يعرف هذا التناقض بين الروح الجاهلية و النضال بالروح القرآنية.
استبدلت الصفين السلطة الديمقراطية الخلافة بالسلطة الوراثية و حفرت خندقا بين الدول و الوعي العام. هذا الإنفصال أدى بقوة الى كل الإنفصالات اللاحقة، كل المتناقضات السياسية في حضن الإسلام ، وهنا يدقق بن نبي في تعريف ” الوعي” فيقول: هو خلاصة نفسية للتاريخ، و تراكمات الماضي للأنا البشري، و تجسيد للعادات و الأحكام المسبقة و الأذواق، وكل ما هو ليس في مجال السوابق التي تؤلف هاته المعطيات ، يبقى غريبا حتى عن الوعي: هذا التأخر في العالم الإسلامي الذي كان السبب المباشر لقطيعة الصفين ” القرآن باعتباره نظاما فلسفيا ، هو علم تجاوز فرديا أفق الفكر الجاهلي، و نتج عنه قطيعة بين هؤلاء الذين استوعبوا الفكر الجديد ، الفكر القرآني ، و بين هؤلاء الذين بقوا متشبثين بالتقاليد والمفاهيم الإجتماعية و ظروف الجاهلية التي جاء القرآن الكريم لإزالتها ، هذه الظاهرة هي عمق التاريخ الإسلامي منذ أربعة عشر قرنا….و يبقى الإسلام وحده يصنع الحدث، فارس الزمن الأخير كما أخبر بذلك رسول الله منذ القدم ، بعيدا عن الدولة الإسلامية و نخبها و سياساتها.
إذا كان كل المسلمون ، سنة وشيعة، رفضوا أحداث الصفين ، بكن يبدوا أنهم لم يستلهموا منها النتائج التي توصل إليها مالك بن نبي ، لم يتوقف عند هذا ابن خلدون و لم يبد له أن التغيير المؤسساتي هو الذي ستنتج عنه هاته العصبية، محرك التاريخ، مونتيسكيوا و تونيبي سيذكرون هذا كحادث أساسي في تاريخ الإسلام لكن لم يتجاوز صيغته الحديثة ، من دون أن تمتد آثاره إلى بقية التاريخ السياسي و الاجتماعي للعالم الاسلامي .
2-أسباب فشل النهضة (الحضارة):
الحركة الإصلاحية التي ترجع جذورها إلى بن تيمية و بدأت مع جمال الدين الأفغاني ، محمد عبده هو من طرح فكرة الإصلاح ، نظرته العقائدية جعلته يفكر مثل إقبال من بعد أن إصلاح العقيدة الإسلامية ضروري ، يرى بن نبي خطأ هذا التوجه:” كلمة التوحيد أصبحت حتمية للحركة لأن التوحيد في الحقيقة لا يمس مشكلة الروح إلا في مجال العقيدة، بينما رجل ما بعد الموحدين لم يترك عقيدته يوما، بقى موحدا أو بالأحرى وفيا لعقيدته.
أصبحت عقيدته بلا تأثير لأنها فقدت شعاعها الاجتماعي ، لأنها اصبحت متقوقعة و فردية ، بمعنى إيمان الفرد منفصلا عن محيطه الإجتماعي ، و بالتالي ، فإنه لا يتعلق الأمر بأن تعلمه التوحيد الذي اكتسبه من قبل، و إنما تجديد فعالية هذا التوحيد، تغيير النفس بأن تجعلها تتجاوز مقاسها البشري ، و هذه المهمة ليست من اختصاص التوحيد و إنما من اختصاص علم ليس له إسم بعد ، و يمكن أم نطلق عليه ” تجديد الولاء”.
بالنسبة لإسهامات النهضة ، التصوف( الذي قاد إلى الدروشة) لا يمكن أن يحقق قاعدة أساسية للإصلاح.
التصوف لا يمكن أن يمس روحيا إلا بعض الناس من النخبة ، أما بالنسبة لإصلاح الجماهير فلا بد من دفعة قوية تروي عطشهم ،و لابد من العروة الوثقى لإقناع تطلعاتهم ، لم تستطع الحركة الإصلاحية من تغيير الروح المسلمة و لا ترجمة ذلك الى واقع من خلال الوظيفة الإجتماعية للدين، و من أجل تدارك هذا النقص في المجال الفكري للإصلاح فإنه ينبغي الإستفادة من أعمال ماركس ، أنجل ، لينين، بخصوص انتقاد المجتمع الرأسمالي ، من دون النظر لنقائص الطبقة العاملة، و لا الإنفتاح عند بناء المجتمع الإشتراكي.
اليوم العالم الإسلامي هو نتاج مختلط لبقايا مورثة من فترة ما بعد الموحدين ( فترة الإنحطاط التي تبدأ 1339 و تستمر الى يومنا هذا) و ما حمله تيار الإصلاح و الحداثة من مجهودات ثقافية، ( و المقصود بالحداثيين عند مالك بن نبي، هم نتاج الفكر الإستعماري الذين يعتقدون أن مخرج العالم الإسلامي يكمن في اتباع المنهج الغربي و الاشتراكية و اللائكية )، هذا النتاج لم يكن نتيجة توجه مدروس و لا تخطيط علمي ، و إنما يتعلق بمزيج مختلط من الموروث القديم الهش و مستجدات لم تعالج ، هذه التركيبة للعناصر المختلفة من فترات و ثقافات بلا رابط طبيعي و لا جدلي أنتجت عالما رأسه في 1339 و رجلاه 1949 ( لحظة كتابة هذه السطور) و يحمل بداخله كل الفترات ما بين هاته المرحلتين…
فمن جهة ،الأفكار التي برهنت على فعاليتها في بناء حضارة المسلمين منذ ألف عام يبدو أنها فقدت فعاليتها اليوم. ولم يعد من الممكن أن تنسجم مع الواقع ، ومن جهة أخرى ، فإن الأفكار الغربية التي أسست ما نسميه بالحضارة الأوروبية فقدت بدورها فعاليتها في العالم الإسلامي…
سلوكنا المعاصر يتسم بانفصال مزدوج : فقد المسلمون اتصالهم بنماذج القدوة في عالمهم الفكري الأصيل، و لم يؤسسوا من جهة أخرى، كما فعل اليابان، اتصال حقيقي بالعالم الثقافي الاوروبي ، فبدلا من الانشغال بتأسيس حضارة، انشغلنا بتجميع منتجاتها ، و هذا هو ” الشيئية choseisme” و ” التكديس” و التطور المتدهور development entropique” .
عالم ما بعد الموحدين هو عالم ذو بعدين: عالم الأشياء و الأشخاص، و يفتقد الى عالم الأفكار ، المسلم في عصرعلم النفس للأشياء ، في هذا العصر ، مجتمع لا يثق في الأفكار، الفكرة التي لم تتطور كوسيلة عمل اجتماعي هي مجرد زينة للعقل المتميز ، مجرد جمال سطحي ، و المجتمع الذي لا يصنع أفكاره التي تقوده ، لا يستطيع أن يصنع انتاجه الإستهلاكي، و لا وسائل تجهيزه، ليس غياب الوسائل هو الذي يصنع وجود مجتمع ما في خطر، إنما معدن أفكاره.
لم يجرب الشعور الإسلامي أي نوع من القلق بخصوص عالم الغيب ، لكن العلاقة الإجتماعية هي التي تأثرت بالمشاكل الحقيقية التي تفرضها الحياة على كل مسلم . الإسلام دين كامل. وهذه حقيقة لا يناقش فيها أحد، للأسف الشديد فإن الإنسان ما بعد الموحدين استنتج منها شعارا وهو ” نحن مسلمون ، إذن نحن في أتم الكمال” هذا الشعار الجميل الذي ضرب كل قدرة على الكمال في الفرد المسلم بأن عزل الإهتمام بالكمال، و هكذا فإن المثالية الإسلامية ، مثالية الحياة و الحركة غرقت في الكبرياء و اكتفاء العبد المؤمن الذي يعتقد أنه قد حقق الكمال من خلال أدائه للصلوات الخمس ، من دون محاولة عن التعديل و التحسين ، فهو بدون أدنى شك كامل. كمال الموت والعدم ، كل آلية نفسية للتطور عند الفرد و المجتمع سقطت بفعل هذا الرضا الكاذب عن النفس. أناس جامدون في عالم الضياع و النقص ، و يمثلون النخبة الاخلاقية للمجتمع لا يمكن أن ينتج عنهم إلا العدم.
الفرق جد مهم بين الحقيقية كمفهوم نظري يوضح تعليلا مجردا . و الحقيقة الفاعلة التي تلهم أفعالا ملموسة. الحقيقة يمكن أن تصبح مضرة، كعامل اجتماعي عندما لاتدعوا الى العمل بل تشله، أو عندما لا تتوافق مع عوامل التغيير ، بل مع أعذار الجمود الفردي و الاجتماعي، عندما تتحدث الى فقير لا يجد قوت يومه عن الرفاهة التي عاش فيها أبوه وجده و أصوله، يمكن هذا أن يحمل معه نسيانا مؤقتا لهمومه من خلال تخدير مؤقت لتفكيره و ضميره، لا يمكن أن نعالج همومه و لا هموم مجتمع بأن تحكي له أمجاد تاريخه و لو وجد بعض المتعة في ذلك….
من المؤسف جدا ان تلاحظ في بعض مؤلفات المستشرقين أن مالك بن نبي كان منتسبا الى حركة إصلاحية معاصرة ، هو نفسه لم يقم بهاته الخطوة أبدا ، و لا عرف هذا المصطلح كما يمكن أن نراه عند من سبقوه، مالك بن نبي لم يتكلم عن الإصلاح لكن عن مركب جديد ( metanoia) حيوي تاريخي للإنسان و التراب و الزمن الإسلامي…..لم يتكلم عن الرجوع لأي كان، بل عن حل بإعادة فهم العمق كلية
الفصل الثالث: الآفاق التاريخية للإسلام:
مالك بن نبي الذي أقام تمييزا واضحا بين الإسلام و المسلمين، لم يؤمن أبدا بمذهب الإصلاح، فالأمر بالنسبة له يتعلق بإعادة بناء الإنسان المسلم و ليس بتغييره، لقد شرح بوضوح في كتابه ” نهضة العالم الإسلامي” و ” الفكرة الافرو آسيوية” أن مفهم ” الأصولية” لا يمثل أبدا طريقا، بالنسبة إليه ، الحل يمر بداية بإزالة كل الرواسب التاريخية لما بعد الصفين من الإسلام،
” الاسلام الخالد ليس لتغطية أو تبرير بأي شكل من الأشكال مظاهر ضعف لنظام مؤقت يتمظهر بمظهر الإسلام، الإسلام له قاعدة روحية صلبة لا تحتاج أبدا أي تبريرات . من هذه التبريرات الواضحة أن بعض الفنانين يريدون أن يجعلون منه صبغة اجتماعية فاصلة، لتكوين أداة قادرة على وضع مقاس للتمرد في التاريخ . ليست الأداة بحاجة إلى إعادة هندسة ، لكن الفنان الذي يصنعها ، من المؤثر جدا أن تنتقد نقائص هاته المادة من تكدح صاحبها.
إذا كان الإنهيار خللا ، كما قال مالك بن نبي، فإن ” النهضة هي مجهود الأمة الاسلامية على المستوى النفسي ، حركة وعيه ليستدرك التأخر في الفكر القرآني و الفكر العلمي الحديث، منطق نفعي للعمل و منطق جريء للفكر .
كبذرة تائهة في التربة تحتوي على الحياة لكنها تحتاج الظروف الملائمة لتستعيد عافيتها ، الجنين الاسلامي يمكن أن ينشط في ظروف تاريخية جديدة.
و بالنسبة لبلدان العالم الاسلامي، لا يرى مالك بن نبي أي حل ” وطني” مقبول” . فبدلا من مقاربة جبرية مرنة تشير لحل يمكن تطبيقه على مستوى مجتمع حيث تطرح المشكلة ، نكيف مقاربة هندسية تعالج كل مشكلة على حدى فبدلا من معالجة حالة تاريخية معينة، أو الأسباب التي كانت وراء حالة البلدان الاسلامية منذ قرون لم تتشكل من داخل الحدود الوطنية لبلد من البلدان ، لكن من خلال فضاء يتسم بجو الحضارة الاسلامية .
من بين هاته الاسباب ، يرى مالك بن نبي أن ” العالمية mondialisme” ( استعمل هذا المصطلح خلال الاربعينيات) سيرسم ملامح عالم القرن الواحد و العشرين.” العالم الاسلامي ليس مجموعة اجتماعية منعزلة مرنة تحقق نموها في جو منعزل، لكنها تتشكل في ظل المأساة الإنسانية كفاعل و شاهد، تنبأ مالك بن نبي أن عصر انفصال المادة يصادف عصر الانذماج البشري ، و بالمناسبة و خلال سنوات 1940 يرى مالك بن نبي نهاية العصر المتوسطي(méditerranée) و انتقال مركز القوة في العالم العربي ، سيشهد العالم الاسلامي تجديدا ( انظر أعمال H.Cd,Encause) و من دون ارتباط بالحرفية. أو بالمظاهر التي هي خاصية النظرة القصيرة. نجد مالك بن نبي مقتنعا بأن هذا مجموعة من الأفكار الأصيلة و المؤثرة التي تنتج هاته الفسيفساء البشرية التي سينتج عنها العالم الجديد” إن لم تحمله مملكة آخر الزمان أثناء ذلك”.
المسارات المغربية Parcours Maghrebins فيفري1987
