دَخَلَ أَحَدُهُمْ التَّارِيخَ لِأَنَّهُ قَالَ يَوْمًا حَمَاقَةً لَا أَخْلَاقِيَّةً. إِنَّهُ سْتِيفِنْ دِيكَاتُور، الضَّابِطُ الْبَحْرِيُّ الْأَمْرِيكِيُّ الشَّابُّ، الَّذِي صَرَّحَ خِلَالَ الِاحْتِفَالِ بِانْتِصَارٍ بَحْرِيٍّ عَلَى «الدُّوَلِ الْبَرْبَرِيَّةِ» الْمَغَارِبِيَّةِ سَنَةَ 1815: «وَطَنُنَا! فِي عِلَاقَاتِهِ مَعَ الْأُمَمِ الْأَجْنَبِيَّةِ، لَيْتَهُ يَكُونُ دَائِمًا عَادِلًا؛ وَلَكِنْ سَوَاءٌ كَانَ عَادِلًا أَمْ ظَالِمًا، فَهُوَ وَطَنُنَا!». كَمَا نُسِبَتْ عِبَارَةٌ أَقْصَرُ بِالْمَعْنَى نَفْسِهِ إِلَى اللُّورْدِ بَايْرُون، الَّذِي عَاشَ فِي الْحِقْبَةِ ذَاتِهَا: «سَوَاءٌ كَانَ عَلَى حَقٍّ أَمْ عَلَى بَاطِلٍ، فَهُوَ وَطَنِي!».
لَقَدْ دَغْدَغَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْحِسَّ الْوَطَنِيَّ الْأَنْغْلُو-أَمْرِيكِيَّ، غَيْرَ أَنَّ وَطَنِيًّا أَمْرِيكِيًّا آخَرَ مِنْ أَصْلٍ أَلْمَانِيٍّ، هُوَ كَارْلْ شُورْز، صَحَّحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي خِطَابٍ أَلْقَاهُ فِي مَجْلِسِ الشُّيُوخِ عَامَ 1872 قَائِلًا: «وَطَنِي، سَوَاءٌ كَانَ مُحِقًّا أَمْ مُخْطِئًا؛ إِنْ كَانَ مُحِقًّا فَلْيَبْقَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فَلْيُصَحَّحْ خَطَؤُهُ».كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ انْتَقَدَ، فِي كِتَابَاتٍ تَعُودُ إِلَى تِسْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، الْعِبَارَةَ الشَّهِيرَةَ لِلرَّئِيسِ هُوَارِي بُومِدْيَن: «نَحْنُ مَعَ فِلَسْطِين ظَالِمَةً أَوْ مَظْلُومَةً». وَقَدْ بَدَتْ لِي تَحْرِيفًا لِمَعْنَى حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ أَوْصَى فِيهِ الرَّسُولُ (ص) الْمُؤْمِنَ أَنْ يَنْصُرَ أَخَاهُ «ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا».
وَالْمَقْصُودُ هُوَ: إِنْ كَانَ أَخُوكَ مَظْلُومًا فَانْصُرْهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَامْنَعْهُ مِنَ الظُّلْمِ.الْيَوْمَ، وَقَعَ الْمَغْرِبُ فِي الْإنحراف نَفْسِهِ الَّذِي نُسِبَ إِلَى الْبَحَّارِ الْأَمْرِيكِيِّ، وَإِلَى اللُّورْدِ الْبِرِيطَانِيِّ، وَإِلَى بُومِدْيَن حِينَ أَطْلَقُوا «حَقِيقَةً» لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأَنَّ فَوْقَ السِّيَاسَةِ وَمَصَالِحِ الدُّوَلِ تُوجَدُ أَخْلَاقٌ كَوْنِيَّةٌ يَنْبَغِي احْتِرَامُهَا، وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالْخَيْرِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ الْإِلَهِيِّ.
وَيَزْدَادُ الْأَمْرُ أشد إلزاما حِينَ يَكُونُ الْبَلَدُ مَحْكُومًا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، «سَلِيلِ النَّبِيِّ».لَقَدْ هَاجَمَتْنِي مُؤَخَّرًا وَسَائِلُ إِعْلَامٍ مَغْرِبِيَّةٌ لِأَنَّنِي بَرْهَنْتُ بِالْأَدِلَّةِ أَنَّ الْمَغْرِبَ، طَوَالَ مَسَارِ قَضِيَّةِ الصَّحْرَاءِ الْغَرْبِيَّةِ، لَمْ يَكُفَّ عَنِ الِانْتِقَالِ مِنْ حِيلَةٍ إِلَى أُخْرَى لِتَحْقِيقِ أَهْدَافِهِ. وَأَصْبَحَ هَذَا الْمَسْلَكُ خَطَّ دِفَاعٍ لَدَيْهِ، وَمَصْدَرًا لِتَبْرِيرِ الصَّحِيحِ وَالزَّائِفِ، وَالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ، وَالْمَشْرُوعِ وَغَيْرِ الْمَشْرُوعِ.
وَأَتَحَدَّى تِلْكَ الْوَسَائِلَ أَنْ تُفَنِّدَ حُجَجِي، أَوْ تُثْبِتَ تَغَيُّرَ مَوْقِفِي، أَوْ تَعْثُرَ عَلَى أَدْنَى تَنَاقُضٍ فِي كِتَابَاتِي السَّابِقَةِ، وَكُلُّهَا مُتَوفرة عَلَى صَفْحَتِي فِي الفِيسْبُوك.فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، لَمْ أُدَافِعْ عَنْ بَلَدِي «سَوَاءٌ كَانَ عَلَى حَقٍّ أَمْ عَلَى بَاطِلٍ»، بَلْ دَافَعْتُ عَنِ الْقَانُونِ الدُّوَلِيِّ، الَّذِي يُمَثِّلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَا هُوَ عَادِلٌ وَقَانُونِيٌّ وَمَشْرُوعٌ فِي الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْأُمَمِ.
وَبِالِاسْتِنَادِ إِلَى هَذَا الْقَانُونِ نَفْسِهِ، أَدَنْتُ فِي مَقَالَاتٍ عِدَّةٍ الْعُدْوَانَ الرُّوسِيَّ عَلَى أُوكْرَانْيَا عَامَ 2022، وَالْأَسَالِيبَ الَّتِي اسْتَخْدَمَتْهَا الصِّينُ ضِدَّ هُونْغْ كُونْغ عَامَ 2014 وَتَايْوَان عَامَ 2025، فَضْلًا عَنْ تَنَاوُلِي لِقَضَايَا دُوَلِيَّةٍ أُخْرَى، مِثْلَ الثَّوْرَةِ الْإِيرَانِيَّةِ، وَالثَّوَرَاتِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتُرْكِيَا، وَغَيْرِهَا.بَلْ أَعُودُ إِلَى عَامِ 1985، حِينَ نَشَرْتُ مَقَالًا بِعُنْوَانِ «إنزلاقات الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ»، انْتَقَدْتُ فِيهِ إِمْعَانَ بَعْضِ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ الْفَرَنْسِيَّةِ فِي الْإِضْرَارِ بِمَصَالِحِ دَوْلَتِهِمْ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُضِرُّونَ بِالرَّئِيسِ فْرَانْسُوَا مِيتِرَان فِي قَضِيَّةِ سَفِينَةِ «رَايْنْبُو وُورِيُور» (وَهِيَ سَفِينَةٌ تَابِعَةٌ لِمُنَظَّمَةِ غْرِينْبِيس فَجَّرَتْهَا الِاسْتِخْبَارَاتُ الْفَرَنْسِيَّةُ فِي أَحَدِ مَوَانِئِ نِيوزِيلَنْدَا)، مِمَّا وَضَعَ فَرَنْسَا فِي مَوْقِفٍ دُوَلِيٍّ حَرِجٍ.وَدَعَوْتُهُمْ آنَذَاكَ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي قَوْلِ مُفَكِّرِهِمُ الْكَبِيرِ مُونْتِسْكْيُو: «لَوْ عَلِمْتُ شَيْئًا يَنْفَعُنِي وَيُضِرُّ أُسْرَتِي لَأبعدتهُ مِنْ ذِهْنِي. وَلَوْ عَلِمْتُ شَيْئًا يَنْفَعُ أُسْرَتِي وَلَا يَنْفَعُ وَطَنِي لَسَعَيْتُ إِلَى نِسْيَانِهِ».
لَكِنَّ مُونْتِسْكْيُو لَيْسَ ذَلِكَ الْعَقْلَ الشُّوفِينِيَّ الَّذِي قَدْ يُظَنُّ مِنْ ظَاهِرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، بَلْ هُوَ الَّذِي تَابَعَ قَائِلًا: «وَلَوْ عَلِمْتُ شَيْئًا يَنْفَعُ وَطَنِي وَيُضِرُّ أُورُوبَّا، أَوْ يَنْفَعُ أُورُوبَّا وَيُضِرُّ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ، لَعَدَدْتُهُ جَرِيمَةً».وَمِنَ الْمُرْتَقَبِ أَنْ تُعْقَدَ هَذِهِ الْأَيَّامِ جَوْلَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ اللِّقَاءَاتِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْبُولِيسَارْيُو فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ.
وَأُرِيدُ أَنْ أُنَبِّهَ إِلَى خَطَرِ عَيْبٍ شَكْلِيٍّ قَدْ يَعْتَرِي الْمُفَاوَضَاتِ إِذَا مَا أَقْدَمَ الْمَغْرِبُ عَلَى تَغْيِيرِ أَيِّ الِتِزَامٍ وَارِدٍ فِي مُبَادَرَتِهِ لِسَنَةِ 2007، وَلَا سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنَتَائِجِ الْمُفَاوَضَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُعْرَضَ حَتْمًا عَلَى «اسْتِشَارَةٍ اسْتِفْتَائِيَّةٍ حُرَّةٍ».
فَإِنَّ عَلَى هَذِهِ الِالْتِزَامَاتِ يَقُومُ قَرَارُ مَجْلِسِ الْأَمْنِ رَقْمَ 2797، فَإِذَا زَالَتْ زَالَ الْقَرَارُ مَعَهَا.فَالْقَرَارُ يَنْصُّ صَرَاحَةً عَلَى أَنَّ «خُطَّةَ الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ الَّتِي اقْتَرَحَهَا الْمَغْرِبُ وَقَدَّمَهَا فِي أَفرِيل 2007 إِلَى الْأَمِينِ الْعَامِّ لِلْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ تُعَدُّ أَسَاسًا لِتَسْوِيَةٍ عَادِلَةٍ وَدَائِمَةٍ وَمَقْبُولَةٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لِلنِّزَاعِ».
وَفِي فِقْرَتِهِ الثَّالِثَةِ «يَدْعُو مَجْلِسُ الْأَمْنِ الطَّرَفَيْنِ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي مُنَاقَشَاتٍ دُونَ شُرُوطٍ مُسْبَقَةٍ وَعَلَى أَسَاسِ خُطَّةِ الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ، مِنْ أَجْلِ التَّوَصُّلِ إِلَى حَلٍّ سِيَاسِيٍّ نِهَائِيٍّ وَمَقْبُولٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، يَضْمَنُ حَقَّ تَقْرِيرِ الْمَصِيرِ لِشَعْبِ الصَّحْرَاءِ الْغَرْبِيَّةِ».
وَإِلَّا فَإِنَّ اللِّقَاءَاتِ الَّتِي تُشْرِفُ عَلَيْهَا الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ سَتَفْقِدُ مُبَرِّرَهَا، وَسَيَتَحَوَّلُ مِلَفُّ الصَّحْرَاءِ الْغَرْبِيَّةِ إِلَى مَسْأَلَةِ اسْتِعْمَارٍ مَغْرِبِيٍّ. أَمَّا تْرَامْب فَلَنْ يَدُومَ، وَمَا يَفْعَلُهُ مِنْ ظُلْمٍ سَيُزَالُ بِزَوَالِهِ.
