Home مقالاتإشكالية الإسلامخَطَأُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ

خَطَأُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ

by admin

إِنَّ خِلَافَةَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ قَدْ طَرَحَتْ مُشْكِلَةَ الاِنْتِقَالِ مِنَ الإِلَهِيِّ إِلَى البَشَرِيِّ، وَمِنَ الدِّينِ إِلَى السِّيَاسَةِ. فَمُجْتَمَعٌ كَانَ قَدْ تَلَقَّى تَوًّا دِينًا جَدِيدًا، طَبَّقَ حَلًّا بَشَرِيًّا لِمُشْكِلَةٍ سِيَاسِيَّةٍ، ثُمَّ جَعَلَهَا العُلَمَاءُ فِيمَا بَعْدُ حَلًّا دِينِيًّا.عِنْدَمَا اجْتَمَعَ عَدَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، مِنَ الأَنْصَارِ المَدَنِيِّينَ وَالمُهَاجِرِينَ المَكِّيِّينَ، في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ عِنْدَ سَمَاعِ خَبَرِ وَفَاةِ النَّبِيِّ لِتَعْيِينِ خَلِيفَةٍ لَهُ، تَعَارَضَتِ الآرَاءُ وَكَادَتْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مُوَاجَهَاتٍ.

اقْتَرَحَ الأَنْصَارُ مُرَشَّحًا مِنْهُمْ، سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ. فَاسْتَنَدَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى حَدِيثٍ يُقِرُّ بِأَوْلَوِيَّةِ قُرَيْشٍ فِي تَوَلِّي الخلافةِ، وَأَضَافَ لِكَسْبِ تَأْيِيدِ الأَنْصَارِ: «نَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الوُزَرَاءُ».

صَحِيحٌ أَنَّ النَّبِيَّ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَمُعَاوِيَةَ، ثُمَّ الأُمَوِيِّينَ فَالعَبَّاسِيِّينَ، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، لَكِنَّ القُرْآنَ الكريم جَعَلَ مِعْيَارَ تَوَلِّي المَسْؤُولِيَّةِ وَاضِحًا: الاِسْتِقَامَةُ وَالتَّقْوَى، لَا الأَصْلُ العِرْقِيُّ، إِذْ إِنَّ ذَلِكَ يَتَنَافَى مَعَ عَالَمِيَّةِ الرِّسَالَةِ الإِسْلَامِيَّةِ.

لَمْ يُفَضِّلِ النَّبِيُّ قُرَيْشًا فِي شَيْءٍ قَطُّ، بَلْ كَانُوا مِنْ أَشَدِّ أَعْدَائِهِ، وَأَجْبَرُوهُ عَلَى الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ هَرَبًا مِنَ القَتْلِ. وَهُنَاكَ أَسَّسَ مُجْتَمَعًا يَضُمُّ الأَنْصَارَ (أَهْلَ المَدِينَةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) وَالمُهَاجِرِينَ (أَهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَهُ). وَلَمَّا انْتَصَرَ الإِسْلَامُ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، لَمْ يَعُدِ النَّبِيُّ إِلَى مَكَّةَ، بَلْ بَقِيَ فِي المَدِينَةِ حَيْثُ تُوُفِّيَ وَدُفِنَ.

بَعْدَ وَصُولِ النَّبِيِّ إِلَى يَثْرِبَ – الَّتِي سَتُسَمَّى بَعْدَ ذَلِكَ المَدِينَةَ المنورة – جَمَعَ مُمَثِّلِي الاِثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً الَّتِي كَانَتْ تَعِيشُ فِيهَا، وَكَانَ نِصْفُهُمْ تَقْرِيبًا مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَاقْتَرَحَ نِظَامًا لِإِدَارَةِ المَدِينَةِ يُرَاعِي تَعَدُّدَهَا الدِّينِيَّ. كَانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ آنَذَاكَ 1500 مِنْ أَصْلِ 10000 نَسَمَةٍ. وَسُمِّيَ هَذَا الاِتِّفَاقُ «صحيفة المَدِينَةِ»(أو دستور المدينة).

كَانَ أَبُو بَكْرٍ شَخْصِيَّةً بَارِزَةً فِي مَكَّةَ، حَكِيمًا وَمُحْسِنًا وَصاحبا للنبي (ص) قَبْلَ الإِسْلَامِ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِرِسَالَتِهِ مِنَ الرِّجَالِ، وَهُوَ وَالِدُ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ، وَرَفِيقُهُ فِي الهِجْرَةِ، وَالَّذِي كَلَّفَهُ النَّبِيُّ بِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَمَا عَجَزَ عَنْهَا.لَمْ يَسْعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الخِلَافَةِ، بَلْ إِنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ بِقَبُولِهَا، وَأَقْنَعَ الآخَرِينَ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَفْضَلُ مِنْهُ.

وَلِذَلِكَ بُويِعَ لِتَوَلِّي مَنْصِبٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ خليفَةُ رسول الله.كَانَتْ خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ مُسْتَحَقَّةً، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ مَسْمُومَةً؛ إِذْ أُدْخِلَ – دُونَ قَصْدٍ – مِعْيَارُ الاِنْتِمَاءِ العِرْقِيِّ فِي تَوَلِّي السُّلْطَةِ. وَبِذَلِكَ زُرِعَتْ بُذُورُ الاِنْقِسَامِ وَالشِّقَاقِ الَّذِي سَيُؤَثِّرُ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ وَيُفَضِّي إِلَى تَشَكُّلِ تَيَّارَاتٍ لَا تَزَالُ قَائِمَةً إِلَى اليَوْمِ.

نَشَأَ التَّشَيُّعُ مِنْ فِكْرَةِ أَنَّ الخِلَافَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي نَسْلِ النَّبِيِّ (أَهْلِ البَيْتِ) عَنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ، الَّذِي كَانَ ابْنَ عَمِّهِ الذي تربى في بيته، وَزَوْجَ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ.

يُصَنِّفُ الفِقْهُ السُّنِّيُّ الخُلَفَاءَ الأَرْبَعَةَ الأُوَائلَ بِأَنَّهُمْ «الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ»، بَيْنَمَا لَا يَعْتَرِفُ الشِّيعَةُ إِلَّا بِعَلِيٍّ، فِي حِينٍ لَا يَقْبَلُ الخَوَارِجُ إِلَّا بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لِأَنَّهُمَا انْتُخِبَا. وَكَانَ الخَوَارِجُ – الَّذِينَ يَعُدُّهُمُ السُّنِّيُّونَ مِنَ المُبْتَدِعَةِ – الأَقْرَبَ إِلَى رُوحِ القُرْآنِ وَنَصِّهِ؛ إِذْ يَرَوْنَ أَنَّ الخِلَافَةَ تَكُونُ بِالاِخْتِيَارِ لِأَيِّ مُسْلِمٍ دُونَ اعْتِبَارٍ لِلْعِرْقِ أَوِ الطَّبَقَةِ أَوِ اللَّوْنِ.

اِسْتَنَدَ المَاوَرْدِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ «الأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ والولاياتُ الدِّينيّةُ»، إِلَى المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ السُّنِّيَّةِ الأَرْبَعَةِ لِوَضْعِ نَظَرِيَّةٍ فِي الحُكْمِ (الإِمَامَةِ أَوِ الخِلَافَةِ)، أَصْبَحَتْ مَرْجِعًا فِي الفِقْهِ السُّنِّيِّ. وَأَوَّلُ شُرُوطِ الحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مَا عُرف بما معناه «سَابِقَةَ أَبِي بَكْرٍ»، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ أَسَاسٍ قُرْآنِيٍّ لِذَلِكَ.وَيُمْكِنُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُعَيِّنَ مَنْ يَشَاءُ خَلِيفَةً بَعْدَهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْ عالته.

وَلَوْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى حَدِيثٍ مَحَلِّ نِقَاشٍ، أَوْ قِيلَ فِي سِيَاقٍ مُخْتَلِفٍ، لَمَا ظَهَرَتِ الاِنْقِسَامَاتُ المَذْهَبِيَّةُ وَلَا الأَنْظِمَةُ الوِرَاثِيَّةُ. وَكَانَ الأَجْدَرُ أَنْ يستدلوا حَدِيثٌ آخَرُ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ»، لَكَانَ تَارِيخُ الإِسْلَامِ مُخْتَلِفًا.

تَوَلَّى عَلِيٌّ الخِلَافَةَ مِنْ سَنَةِ 656 إِلَى 661، وَكَانَ عَهْدُهُ مَمْلُوءًا بِالحُرُوبِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالخِلَافَاتِ. وَقَبْلَ وَفَاتِهِ، طُلِبَ مِنْهُ تَعْيِينُ خَلِيفَةٍ، فَرَفَضَ قَائِلًا: «الأَمْرُ إِلَيْكُمْ». وَبَعْدَهُ تَوَلَّى ابْنُهُ الحَسَنُ، لَكِنَّهُ تَنَازَلَ بَعْدَ أَشْهُرٍ لِمُعَاوِيَةَ، الَّذِي نَقَلَ العَاصِمَةَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى دِمَشْقَ، وَحَكَمَ مِنْ 661 إِلَى 680.

وَبِذَلِكَ اسْتَمَرَّتِ الدَّوْلَةُ الإِسْلَامِيَّةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَالخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ مِنْ 622 إِلَى 661، ثُمَّ الدَّوْلَةُ الأُمَوِيَّةُ مِنْ 661 إِلَى 744، ثُمَّ العَبَّاسِيَّةُ مِنْ 745 إِلَى 1258، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَدَأَ حُكْمُ غَيْرِ العَرَبِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ.

You may also like

Leave a Comment