Home مقالاتإشكالية الإسلامالتاريخ الإسلامي بين الرواية و الحقيقة 2) حُرِّيَّةُ التَّعْبِيرِ وَالْفِكْرِ فِي عهد النَّبِيِّ

التاريخ الإسلامي بين الرواية و الحقيقة 2) حُرِّيَّةُ التَّعْبِيرِ وَالْفِكْرِ فِي عهد النَّبِيِّ

by admin

عِنْدَمَا نَقْرَأُ مُؤَلَّفَاتِ الْمُؤَرِّخِينَ الْأَوَائِلِ لِلْإِسْلَامِ، مِثْلَ «التَّارِيخِ» الضَّخْمِ لِلطَّبَرِيِّ، حَيْثُ قَدَّمَ سِيرَةً لِلنَّبِيِّ أَصْبَحَتْ مَرْجِعًا وَمَصْدَرًا أَسَاسِيًّا، أَوْ تَفْسِيرَهُ الْكَبِيرَ لِلْقُرْآنِ، يَلْفِتُ إنْتِبَاهَنا أَنَّ صَحَابَةَ النَّبِيِّ وَأَوَائِلَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَتَمَتَّعُونَ بِحُرِّيَّةٍ فِكْرِيَّةٍ تِجَاهَ الْقُرْآنِ وَالنَّبِيِّ لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُهَا فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ، أَيْ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَرْنًا.فَقَدْ كَانُوا يُنَاقِشُونَ النَّبِيَّ بِحُرِّيَّةٍ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ شَخْصِهِ فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ وَبَيْنَ صِفَتِهِ كَنَبِيٍّ، وَلَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي مُرَاجَعَةِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ أَوِ الْقَرَارَاتِ الَّتِي كَانَ يَتَّخِذُهَا.

وَكَانَ هُوَ نَفْسُهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ إِنْسَانٌ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ، وَكَانَ يَقْبَلُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ عَلَنًا، وَأَنَّ صِفَتَهُ كَنَبِيٍّ تَقْتَصِرُ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَتَعْلِيمِ الشَّعَائِرِ.كَانَ قَائِدَ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي تَشَكَّلَتْ حَوْلَهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعِيشُ بَيْنَهُمْ وَمَعَهُمْ مِثْلَهُمْ، يُشَاوِرُهُمْ وَيَأْخُذُ بِآرَائِهِمْ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْقَرَارِ. وَقَدْ حَدَثَ أَحْيَانًا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ ضِدَّ رَأْيِهِ، وَضِدَّ سِيَاسَتِهِ تِجَاهَ الْمَكِّيِّينَ الَّذِينَ عَارَضُوا دَعْوَتَهُ.

كَمَا حَدَثَ أَنْ تَرَاجَعَ عَنْ إِسْتِرَاتِيجِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ، أَوْ عَنْ مَوْقِفٍ أَوْ فِعْلٍ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ، بَلْ وَتَلَقَّى عِتَابًا مِنَ اللَّهِ عِنْدَمَا أَبْدَى شَيْئًا مِنَ الْإِعْرَاضِ تِجَاهَ رَجُلٍ أَعْمَى، أَوْ عِنْدَمَا أَخْطَأَ فِي تِلَاوَةِ بَعْضِ الْآيَاتِ (وَهُوَ مَا عُرِفَ بِقِصَّةِ «الْآيَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ» رغم الخلاف الكبير حول هذه الرواية).أَمَّا حَادِثَةُ الْإِفْكِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا زَوْجَتُهُ السيدة عَائِشَةُ، وَالَّتِي جَعَلَتِ النَّبِيَّ نَفْسَهُ يَشُكُّ فِيهَا، فَقَدِ انْتَهَتْ بِانْتِصَارِ عَائِشَةَ انْتِصَارًا وَاضِحًا، إِذْ قَالَتْ لَهُ بِحِدَّةٍ:«إِنَّمَا حَصَلْتُ عَلَى إِنْصَافِي بِفَضْلِ نُزُولِ خَمْسَةَ عَشَرَ آيَةً بَرَّأَتْ شَرَفِي، لَا بِفَضْلِكَ أَنْتَ!».

وَندْهَشُ حِينَ نكْتَشِفُ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كَمْ مِنَ الْمَوَاقِفِ الصَّعْبَةِ وَالْإِحْرَاجَاتِ الَّتِي وَاجَهَهَا النَّبِيُّ طُولَ رِسَالَتِهِ، وَالَّتِي لَمْ يَكُنْ يَرُدُّ عَلَيْهَا بِالْغَضَبِ أَوِ الضَّغِينَةِ، بَلْ بِالتَّوْبَةِ وَالتَّوَاضُعِ. وَقَدْ شَكَّلَتْ هَذِهِ الْوَقَائِعُ الْكَثِيرَةُ مَحَطَّاتٍ فِي حَيَاتِهِ كَإِنْسَانٍ وَنَبِيٍّ، وَهِيَ تَتَنَاغَمُ تَمَامًا مَعَ صُورَةِ الرَّسُولِ كَمَا يَرْسُمُهَا الْقُرْآنُ الكريم.

إِنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ، وَهَذِهِ الشَّهَادَاتِ الَّتِي جَمَعَهَا الْمُؤَرِّخُونَ وَرُوَاةُ الْحَدِيثِ، تُقَدِّمُ صُورَةً لِلنَّبِيِّ تَخْتَلِفُ عَنْ تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي بَالَغَ التُّرَاثُ الدِّينِيُّ فِي تَقْدِيسِهَا، بَلْ وَكَادَ أَنْ يُضْفِيَ عَلَيْهَا طَابِعًا شِبْهَ إِلَهِيٍّ، حَتَّى يَجْعَلَ مِنْ نَفْسِهِ تَفْسِيرًا ثَابِتًا وَعَقِيدَةً لَا تَقْبَلُ النِّقَاشَ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ ظَهَرَتْ أَدَبِيَّاتٌ تَمْجِيدِيَّةٌ ظَلَامِيَّةٌ تَرْفُضُ الْجَدَلَ وَالنَّقْدَ، وَاحْتَكَرَتِ الْإِسْلَامَ وَالنَبِيَّ وَالْقُرْآنَ، فَحَبَسَتْهَا فِي قِرَاءَةٍ نِهَائِيَّةٍ جَامِدَةٍ وَمُقَدَّسَةٍ لِتَمْنَعَ إِخْضَاعَهَا لِلْفَحْصِ الْحُرِّ وَالدِّرَاسَةِ الْعَقْلَانِيَّةِ.

لَقَدْ كَانَتْ حُرِّيَّةُ التَّفْكِيرِ وَالتَّعْبِيرِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ بِلَا حُدُودٍ تَقْرِيبًا، وَلَمْ تَقِفْ أَمَامَ أَيِّ خَطٍّ أَحْمَرَ. وَكَانَ مُعَاصِرُو النَّبِيِّ يَتَنَاوَلُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَعَامَلُونَ مَعَهُ دُونَ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي أَحَدِهِمْ أَنْ يَكُونَ «عَالِمًا» أَوْ رَجُلَ دِينٍ.فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعِيشُونَ زَمَنًا اسْتِثْنَائِيًّا، يَشْهَدُ مِيلَادَ دِينٍ جَدِيدٍ، وَيَخُوضُونَ صِرَاعًا مِنْ أَجْلِ انْتِصَارِهِ فِي مُوَاجَهَةِ عَالَمٍ مُعَادٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ كَرِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَحْرَارٍ فِي عُقُولِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ، يُؤْمِنُونَ عَنْ اقْتِنَاعٍ لَا عَنْ إِكْرَاهٍ.

فِي مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ آنَذَاكَ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ جَامِعَاتٌ وَلَا كُتُبٌ وَلَا مَذَاهِبُ فِقْهِيَّةٌ وَلَا طَبَقَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. كَانَتْ هُنَاكَ قَبَائِلُ تَعِيشُ مُنْذُ قُرُونٍ بِعَقَائِدَ دِينِيَّةٍ وَثَنِيَّةً، وَقَدْ أَخَذَ الْإِسْلَامُ بَعْضَ طُقُوسِهَا مِثْلَ الْحَجِّ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَعِيشُونَ أَيْضًا إِلَى جَانِبِ عَدَدٍ مِنَ الْيَهُودِ وَبَعْضِ النَّصَارَى، مِثْلَ الشَّخْصِيَّةِ الْغَامِضَةِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ رضي الله عنها زَوْجَةِ النَّبِيِّ الْأُولَى، الَّذِي تَرْجَمَ الْإِنْجِيلَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ وَآمَنَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ مُنْذُ أَنْ أَخْبَرَتْهُ خَدِيجَةُ بِاللِّقَاءِ الْأَوَّلِ مَعَ الْمَلَكِ جِبْرِيلَ.

وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَمْرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ جَوَابٌ، يُوصِي بِالرُّجُوعِ إِلَى التَّفْكِيرِ وَإِلَى حُرِّيَّةِ الِاجْتِهَادِ، لَا إِلَى عَالِمِ دِينٍ أَوْ سُلْطَةٍ دِينِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً آنَذَاكَ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْجَوَابَ قَالَ بِبَسَاطَةٍ: لَا أَدْرِي. وَلَمْ يَكُنْ يَرَى نَفْسَهُ مُخْتَصًّا إِلَّا بالْوَحْيِ.أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ فِي الدِّينِ أَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ يَنْبَغِي أَنْ تَمُرَّ عَبْرَ إِذْلَالِ الْإِنْسَانِ.

أَمَّا الْيَوْمَ فَالْأَمْرُ مُخْتَلِفٌ! فَقَدِ ارْتَدَى «الْعِلْمُ الدِّينِيُّ القديم» لِبَاسَ الْقَدَاسَةِ، وَقَدَّمَ نَفْسَهُ بِوَصْفِهِ عَقِيدَةً أَرْثُوذُكْسِيَّةً لَا تَقْبَلُ النِّقَاشَ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بِنَاءٌ بَشَرِيٌّ تَشَكَّلَ بِأَفْكَارِ عَصْرِهِ؛ أَفْكَارٌ لَيْسَتْ مُوحًى بِهَا وَلَا مُنْزَلَةً، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ جُهُودٍ بَشَرِيَّةٍ لَا تَزِيدُ قِيمَتُهَا عَنْ جُهُودٍ يُمْكِنُ أَنْ يَبْذُلَهَا بَشَرٌ آخَرُونَ الْيَوْمَ.

إِنَّ هَذَا «الْعِلْمَ» هُوَ وَرِيثُ تَفْسِيرٍ لِلْقُرْآنِ تَرَاكَمَ عَبْرَ الْقُرُونِ حَتَّى دَفَنَ الرُّوحَ الْأَصْلِيَّةَ لِلْقُرْآنِ تَحْتَ طَبَقَةٍ كَثِيفَةٍ، وَجَعَلَهُ يَقُولُ مَا يَشَاءُ الْمُفَسِّرُونَ وَمَتَى يَشَاؤُونَ. لَقَدْ أَحَاطَ بِهِ كَمَا تُحِيطُ طَبَقَاتُ الْغِلَافِ الْجَوِّيِّ بِالْأَرْضِ، غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ الطَّبَقَاتِ تَحْمِي الْأَرْضَ، أَمَّا هَذِهِ فَمُهِمَّتُهَا مَنْعُ الضَّوْءِ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ أَوِ الْخُرُوجِ مِنْهُ.

وَإِذَا لَمْ يَبْلُغِ الْإِسْلَامُ أَهْدَافَهُ فِي أَنْ يَكُونَ «دِينَ الْفِطْرَةِ»، أَيْ دِينًا عَالَمِيًّا عَقْلَانِيًّا قَابِلًا لِلتَّكَيُّفِ مَعَ تَطَوُّرِ الْغَايَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ «الْعِلْمَ الدِّينِيَّ» صَاغَهُ عَلَى مِثَالِ مَا فَعَلَهُ الْحَاخَامَاتُ وَالْكَنِيسَةُ بِدِيَانَاتِهِمْ. فَقَدْ سَارُوا عَلَى نَهْجِهِمْ، وَضَيَّقُوا أُفُقَ الْإِسْلَامِ حَتَّى جَعَلُوهُ أَقْرَبَ إِلَى عِبَادَةٍ شَكْلِيَّةٍ، دِينًا يُضَحِّي بِالْجَوْهَرِ لِصَالِحِ الشَّكْلِ، وَبِالرُّوحِ لِصَالِحِ الْحَرْفِ، وَيَخْدِمُ مَصَالِحَ سُلْطَاتٍ مُسْتَبِدَّةٍ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُطْلِقَ الْحُرِّيَّةَ الْخَلَّاقَةَ لِشُعُوبِهَا.

You may also like

Leave a Comment